ماذا يريد هذا الشاعر بالضبط؟ غالباً ما أسأل نفسي حينما أقرأ قصيدة للشاعر محمد خضر، حالة من المختبر الحقيقي لقصيدة النثر يعيشها هذا الشاعر دائماً، لذلك فإن محاولة الإمساك بقصيدة خضر بين ديوان وآخر هي مسألة أحاول أن لا أضع نفسي فيها، لأني لن أستطيع وحسب، محمد خضر في ديوانه الجديد (المشي بنصف سعادة) الصادر عن دار فراديس، يحاول أن يدخل في تجربة جديدة مع قصيدته، هي تجربة تخرج من الشعرية تماماً لتدخل إليها بروح جديدة، كمن يجفّف نفسه تحت شمس الظهيرة، ليعود إلى ماء آخر لا ينتمي للبحر. (المشي بنصف سعادة) مع محمد خضر الذي صدر له من قبل (مؤقتاً تحت غيمة) عن دار أزمنة، و(صندوق أقل من الضياع) عن دار فراديس أيضاً، سيكون مشياً صعباً خصوصاً وأنت تقف أمام غلاف أصفر فاقع تتوسطه إشارة مرورية هي عبارة عن (ولد) و(بنت) يعبران الشارع بحقيبتيهما، إنه مشي صعب لأنك تقطع معه شارعاً شعرياً لا يدرك مداخله ومخارجه إلا هو، شارع تختلط فيه الصورة المتخيلة للشاعر (المدهش) و(البليغ) و(الساحر)، بصورة يريد خضر أن يطرحها للشاعر، حيث يفقد الشعر من القيمة الشعرية السابقة التي تعتمد تلك الصفات (دهشة/ بلاغة/ سحر) ليقف على حدود مغايرة تماماً، أصدقكم القول بأني لم أتلمّس بعد معالمها. أرى جيداً كيف أفقد خضر الشعر من مضامينه السابقة، وأرى أنه أضاف إلى شعره حالة من السردية سواء عبر (التخييل السردي) أو عبر (التذكّر السردي)، وأضاف أيضاً حالة من التجديد في المفردة عبر إلغاء كثير من المفردات (المشعرنة) واستبدالها بمفردات صادمة جداً في الحالة الشعرية العربية، حتى الحداثية منها، ولكن كل هذا لا يجعلني أرى بوضوح الصورة التي يفترضها خضر في الشعر، بالرغم من جمالية هذا النوع من الشعر الذي يطرحه، وهذا ما يجعلني أعيد مرة بعد أخرى.. ماذا تريد يا الساكن تحت الغيم من الشعر بالضبط. الدهشة قريبة لدرجة لا تُرى قصيدة (ماسنجري) بالتحديد - وربما (lurbak) بدرجة أخرى - تجعلني دائماً أعيد النظر مرة بعد أخرى في ماهية الدهشة، بالنسبة لي على الأقل، ماهية الدهشة لا في مستوى الصورة الشعرية أو في مستوى البنية الشكلية أو الإيقاعية أو الأسلوبية أو حتى المعاني المبتكرة كما قد يبدو، ولكن ماهية الدهشة بما هي مستوى آخر من مستويات التفكير، مستوى آخر من مستويات النظر للأشياء، ليست الدهشة هنا مفردة مرادفة للإعجاز، بل ربما تكون مفردة نقيضة له، ترفضه، لا تجعله مقوماً من مقومات الشعر، الدهشة هنا مرادفة للرؤية، للابتعاد بشكل من الأشكال أو الاقتراب بشكل آخر، من أجل وضوح (الرؤية)، ولذلك فإن خضر في هذه القصيدة يقترب من ذاته (ذواتنا، بما أننا نعيش عصره أيضاً)، ويقترب من جعل الحالة الوصفية التقريرية شعراً، شعراً ليس بما هو مغاير، بل بما هو مألوف، ولكنه غير مرئي، وبذلك يضع المألوف بصورة تجعله مرئياً بشكل شعري، أو فلنقل تجعله مرئياً وحسب، لأن خضر لا تعنيه الشعرية بما هي مفهوم مصطلح عليه، نتعارف على معناه جميعاً، فالشعرية كما أسلفنا أمر مختلف لديه، لا يريده بالشكل الذي نفهمه، بل يحاول أن يطرح بديله، وإن كان هذا البديل واضح المعالم ولكنه للآن لم يكتمل ليمثّل الصورة الكلية التي يريدها محمد خضر أو على الأقل التي أفهم أنه يريدها. صور من المخيال 
مضت لولا جنوني لأدركتُ الذي ارتبكت وأنا ينادونني.. للحكايةِ وجهانِ، وقد ينضجُ الذنبُ أسرَعَ غزالٌ يعلّمُ بعضَ الفراشِ ينضجُ أسرَع.. الكلامُ الذي خبّأته الطبيعةُ فيّ مثلُ.. عيناكِ بنيّتانِ للحكايةِ وجهانِ
لا حلمٌ يشيرُ لي اخرج إلى منفاكَ
لا وطنٌ أُنفى إليه..
فيهِ الحكايةُ
مرّغتُ الكلامَ
على نومي..
مضت
قومٌ سُكارى،
يمدّونَ الضجيجَ على ليلٍ،
ويبكونَهُ سرّاً
هاتِ النبيذَ، ولا كأسٌ لأسكبني فيه..
مضت..
ومضت
ما قُلتُه لي حينَ ندمتُ
وما لم أقلهُ لها
ينضجُ الندمُ المرّ
أبطأ من نُضجِ وهمِ مغازلةٍ
مع عينينِ مثلُ اللتينِ التقيتُ
كأنّهما إصبعانِ تشيران (ماذا تريدُ؟)
فهل كانتا تعرفان الجوابَ؟
خيلٌ تدوسُ على غيمةٍ حرّةٍ.. لا تمزّقها
أو كسرب جرادٍ
يحطّ بحقلِ (مطوّلةٍ)
فيحوّله لقصيدةِ (هايكو)
اصطيادَ الكناياتِ
لكنني لم أقله
الكلامُ الذي انتظرتهُ
الكلامُ الذي ليس شعراً، ولا معجزاً
كم الساعةُ الآن؟
من أينَ هذا الحذاءُ الجميلُ؟
ومنذ متى أنتِ تنتظرين؟
الكلامُ.. السؤالُ الذي لا جوابَ لهُ
غيرُ خفقٍ سريعٍ
وتنهيدةٍ
لكنها.. مثلهنّ جميعاً
مضت.. بالنبيذِ..
ولا كأسَ أسكبني فيهْ
قطرة الروح أن لا تكون على حدِّ ظلكَ إلا مساسا قطرة الروح أن لا تقف سل مع الزفراتِ اختلاسا قطرة الروحِ أن تتعلم كيف تفرّق بين الأصابع في الماء كيفَ توسوسُ للبشريّ بصوتكَ كيفَ تبدّلُ في رئتيكَ النحاسا . وكيفَ تواري قصيدتَكَ البكرَ في قبرِها كيفَ .. تبدأ من لا أساسٍ وكيفَ تخلّقُ من لا حروفٍ أساسا .
ذاكَ أنا الذي في صورة العوّاد يقولُ كأننا أممٌ يقولُ –وبين جفنيه ارتمى حجرٌ- يقولُ –وقد تسارعَ في يديهِ النهرُ- يحتضنُ المدى العوادَّ 
نحو يدي
فينصقلُ المدى من شفرةِ الموّال
منحوتاً كآلتِهِ وتركضُ في ضلوعي خيلُ ريشتهِ
وتقفزُ من مقامٍ نحوَ آخرَ، من بكاءٍ نحو آخر
من جنونٍ نحو آخر..
يحضنُ العوّادُ موسيقاهُ
يصمتُ.. كفّهُ لغةٌ، وفي عينيه تُقرأُ آيةٌ
وأنا كآلتِهِ..
أحاولُ أن أجاريَهُ، وأفهمهُ
تثاءبت القصيدة في مفاصلها،
أقولُ كأننا أممٌ
غفت ما بين عينيها القصيدة
كي ترى في نومِها، حلماً يؤولها
سأوقد من دماء القوم مدفأتي
وألتحفُ الجريمة
كي أصدّقني
أقولُ –وبين قلبيّ ارتمت لغةٌ-
سأغفرُ للذي يغتالني في الظَهرِ
أعذرُ خوفه من صمتِ عينيّ المكبّلتين بالمعنى
وألتحفُ الجريمةَ.. كي يصدّقني
لا تقفوا هناكَ
أقولُ
لا تقفوا هناكَ
-وقد تسارعَ في يديّ النهرُ-
يسقطُ فوقَ موسيقاه
يصمتُ
لا يقولُ، ولا أقولُ
فكفهُ لغةٌ
وفي عينيه تُقرأ آلتان
اقتراب من النفس إن مهدي يحاول أن يقترب من نفسه. يستكشف ما تخبئه في زواياها. والشعر -هذا الرائع - يجعله قريباً منها. لذلك كان بحاجة إلى أن يتخيل نفسه إزاء نفس أخرى تردد ما تقول وما يتفجر في مشاعره. وليس أجمل لدى مهدي من المسرح قاعدة يرتكز عليها في هذا الشعور. للمارين عليه فلنتأمل قليلاً ديوانه الأول. عند دخولنا إلى ديوان أو ''إيوان'' مهدي نجد عبارة مختصرة تقول: ''للمارين علي/ وأنا معلق على صليب العتمة/ خذوا زهرة واتركوا لي الصليب''. فهو إذاً يشبه نفسه بالسيد المسيح. كما فعل كثير من الشعراء في الشرق والغرب. ولكن الجميل في هذا المدخل أن مهدي يرسمه صورة حية وكأنه على خشبة المسرح. تأمل في الكلمات: ''مارين علي، معلق، العتمة''، كلمات ثلاث لكنها كان كلمات حقيقية لم يرحل بها الشعر بعيداً وإنما اختزلها على المسرح. ثم ينثني بكلمتين في أسفل الصفحة التالية: ''يسار الصدر'' وهو معنى يوحي بأنه سيتحدث عن ما يشغل قلبه. ولكن مهدي لم يفلح في خداعنا فالمرأة التي لا تضع رأسها إلا على يسار الصدر شغلت هذا الفصل جميعه. ومهما حاول أن يخدعنا بأنه يتكلم عن شيء آخر فلن يستطيع ذلك. فلا يوجد نص واحد في ''يسار الصدر'' يخلو من رائحة امرأة. استمع إليه وهو يقول في نص ارتباك: ''وحدك ازددت اقترابا من يدي/ وأنا كبرت دقيقتين/ وذلك الكرسي أتقن لبس جوربه/ وتينتنا استوت أنثى/ تعلمت الحياء/ تعلمت ثقب القلوب''. وفي يمين اللعنة وهي الوقفة الثالثة والأخيرة في هذا الديوان. تستعر شهوة هذا الشاعر بالمسرح. فإن كان في القسمين السابقين استطاع أن يخرج منه فهو هنا يعود اليه وقد أذعن لمشيئته. ربما لأنه وجده الأقدر على استنطاق ذاته التي برزت هنا دون مؤثرات. يقول مهدي في نص ''سيأتي من الخلف ظلي'': ''أو أنت آخرهم؟/ وتترك ما مضى مني يجيء لآخري/ أو أنت؟ لم يجدوا سواك؟ دع الكلام فلا قيامة بين فنجانين قل لي: هل تركت غواية الشعراء لم يجدوا سواك؟''. ثمة صراخ وعويل لم يستطع الشعر أن يعبر عنهما. فلاذ مهدي بالمسرح. إنه إذ لم يجد أحداً يحاوره تخيل نفسه فقال لها: أو أنت آخرهم. مخلوق مسرحي إن مهدي في مجموعته الأولى حاول أن يتخلص من تأثير المسرح، بيد أن محاولاته باءت بالفشل. فهو مخلوق كي يكون مسرحياً وما الشعر إلا كلمات يلقيها على خشبة المسرح. وهذان طيفان قد خلقا من نفس واحدة. وذلك لا يعد نقصاً في التجربة. بل إن هناك من الشعراء من تركوا الشعر واتجهوا إلى المسرح. واعتقد بأن هذا ما يميز تجربة مهدي الشعرية التي ألقى عليها المسرح ظلاله فجعلها مشهداً مسرحياً ينبض بالشعر.
جذبني مهدي مرة ثانية إلى شعره حينما قرأت على الغلاف الخارجي من ديوانه الأول مقطعاً يقول فيه:
''قال: نجوت منهم/ قلت: ممن؟/ قال: منهم/ قلت: لكني وحيد في المكان/ فقال: بئساً كيف لم تفهم بأنك والمكان ضحيتان/ فقلت: لكني نجوت/ فقال: أفرغت الممالك والقصيدة أرغمتك على البكاء أمام نعشك/قالت: (الشعراء لا يرثون/ حكّت أذنها بجناحها ومضت فيها''.
فتساءلت: هل جاء اختيار مهدي لهذا المقطع عن تعمد أم عفو الخاطر؟ أن يظهر هذا المقطع على الغلاف الخارجي فذلك شيء جميل لكن أن يكون عبارة عن قيل وقال، فتلك إشارة يجب الالتفات اليها. فهل أراد مهدي من هذا المقطع أن يقول انتبهوا أيها السادة فها هنا شاعر في داخله المسرح؟! ربما، وإن كان أمراً متوقعاً من شاعر كمهدي تلمس الثقافة أول ما تلمسها من المسرح، أن يظل مخلصاً للمسرح.
مهدي أيضاً يحتاج الى أن يستكشف عوالم أخرى. فهو يدرك أن ليس كل ما يقال على الورق صادق. وهو يتذكر كلمة الأقدمين الذين كانوا يقولون إن أعذب الشعر أكذبه. إذاً عندما يقول الشاعر شعراً فليس بالضرورة أن يكون سعيداً لأنه يعرف أنه يكذب ويجافي الواقع. أما المسرح الذي يقف الممثل فوق خشبته إزاء الناس وجهاً لوجه ويلقي كلماته فخشبته لا تعرف الكذب. وحتى لو كذب مهدي فإن الناس تعرف أنه يكذب ومع ذلك تحبه.
ولكني أتساءل هل كان اختيار مهدي للمسرح بمثابة رجوع إلى الناس. رجوع إلى الالتصاق بهم في مقابل أشعار ربما لا يعيها الكثيرون وإنما هي حديث نخبة؟ فعلى رغم اجتهاد مهدي في المسرح وعشقه اللا محدود إلى التجريد - إن صحت التسمية - وافتتانه بالتعبير بأساليب حديثة فإنه لايزال مخلصاً للناس. وهو لا يتردد في قبول أي دور يسند إليه حتى لو كان بسيطاً وواضحاً. وهو الأمر الذي تركا أثراً طيباً وعميقاً في تجربته الشعرية.
لاحظ أنه يقول لها إنك وحدك ازددت اقترابا مني. إذا هو في حوار معها. ويقول في نص ''تأخذ زينتها'': ''وقفت قدّام مرآة بلون الماء/ فكت جسداً عن جسد/ أصغت قليلا/ لانكسار القلب في جفنين/ للنأمة في النهد''. وكأن هذا الكلام مقدمة لحوار مسرحي. فكلها خيالات تنسجها أنثى. ولكنها أيضاً على خشبة مسرحية.
للعالم حواليه
لشهوة المسرح
<<الصفحة الرئيسية








