الحالة السَّردية في شعر "عماد فؤاد" تتبدّى أول ما تتبدّى في عينه شديدة التركيز على التفاصيل، تفاصيل قد تغيب عن بال أي روائي محترف أو مصوّر فوتوغرافي محترف، ولكنها أبداً لا تغيب عن نظر هذا الشاعر، ليست قصيدة "فؤاد" قصيدة تفاصيل، ولا يمكننا بهذه السهولة أن نصنفها في هذا الجانب ونرتاح، ربما لأن شعر "فؤاد" بقدر ما هو سهل وبسيط وواضح، بقدر ما هو معقّد ومتشابك ومتداخل، فالتفاصيل في شعره لا تتمظهر وكأنها هدف أو غاية شعرية، ولكنها تُرى وكأنَّها توظيف لهذه المقدرة على التقاط التفاصيل في الغاية الشِّعرية الكبرى لدى "فؤاد"، أي جعل التفاصيل في القصيدة لا تبدو دالة على (الشعرية / الفحولة)، بل جعلها مكوناً رئيساً من مكونات حث وتهيئة المتلقي على البحث أكثر في فهم وإدراك ما يرمي إليه الشاعر. إنها ببساطة تفاصيل تكتشف فيما بعد أنه لا بدّ منها، ليدخلنا الشَّاعر في هذا المناخ الغرائبي بين السَّرد والشِّعر، بين التحليل والعرض، في قصيدته (كفوف مبلولة تمسح غباراً خفيفاً) من المجموعة الأولى له (أشباح جرّحتها الإضاءة) يقول "فؤاد": في هذا المقطع تتبدّى بشكل واضح قدرة هذه التفاصيل على الكشف بشكل عميق عن طبائع هذه الشخصيات، هذه الكائنات التي نقلها من الواقع وأضفى عليها -لا من خلال الشِّعرية بل من خلال عينه الحادة في رصد تفاصيل وتصرفات وسلوك وهيئات وأشكال هذه الشخصيات - شكلاً شعرياً مغايراً ومختلفاً، فتفاصيل مثل (كفوفهم العرقانة) (غبار الجيران) (هدوم من كتَّان الفراعنة الرَّخيص) (مرتين على الأقل) كل هذه التفاصيل لم ترد أن توضح أو تظهر حالة شعرية، بل هي أكثر من ذلك؛ أرادت أن تكشف فئة ما في المجتمع المصري، فئة تعيش على الانتظار، فقيرة، مغبرّة، ولكنها في نهاية المطاف طيّبة. ومن يلحظ هذا المقطع ويسقطه على أغلب قصائد "فؤاد" سيرى كم أن هذا الشَّاعر منهمك في رصد الحالة الإنسانية في مجتمعه، وكشف وإبراز الجانب النفسي على الجوانب السلوكية والاجتماعية فيه. فلم يكن "فؤاد" ليلتفت إلى شعرية المفردة أو رصانتها أو فخامتها باعتباره كاتب قصيدة نثر، ولكنه أيضاً لم يكن ليلتفت إلى (عادية) المفردة أو (يوميتها)، ولذلك فقد كانت مفرداته متنوعة بحث لا يمكن القبض على قاموس شعري محدد في كتابته الشِّعرية، وبحيث لا يمكن القبض على تدخّل القاموس اللغوي في تحديد إطار للشِّعرية كما يحدث مع كثير من الشعراء. في الصورة الشِّعرية بالضبط ستلاحظ بشدّة ذكاء هذا الشاعر في تشتيتك عن الإمساك بالمكامن الأساسية لشاعريته، لن تستطيع أن تحدد ما إذا كان "فؤاد" شاعراً حسيّاً بالرغم من الموضوعات شديدة الحسيّة التي تتفجر في قصيدته، إذ ستلاحظ ما إن تحاول تبيّن هذه الصور أنه يذهب بعيداً عن العالم المادي والحسيّ، ثم يقترب تماماً منه، إنه في هذا الجانب كما في كثير من الجوانب مما عداه شاعر مراوغ بالفطرة، حرّ بالفطرة، لا يمكن أن تقيّده الرؤية الحسيّة أو المادية للعالم، كما لا يمكن أن تقيده النظرة الروحية له، فتراه بين هذا وذاك يبحث في صورته الشِّعرية التي يبثّها في القصيدة بمكر شاعر عن حالة من جعل الحسّي يتلبّس الروحي، خصوصاً في قصيدته (يدها التي في مكمن ضعف) التي نشرها أخيراً في مجموعته الشِّعرية الأخيرة (حرير). وعبر كل هذا المزج بين السَّردي والشِّعري، تتبدّى بوضوح صور كثيرة لأشخاص كثيرين، من المرأة العانس التي تضطرب إذ يقترب منها أحدهم في (الأوتوبيس)، إلى العجوز المتقاعد في (تقاعد زير نساء عجوز) إلى أغلب قصائده التي يبحث فيها "فؤاد" عن الإنسان في مجتمع مقهور، ليتحدَّث عنه، ليقترب منه، ليرصد شيئاً من ذاته فيه أو شيئاً منه في ذاته.
القصيدة لدى الشَّاعر المصري "عماد فؤاد" هي اشتغال على كل المستويات، "فؤاد" -الذي أصدر مؤخراً مجموعته الشِّعرية الرَّابعة (حرير) عن دار النَّهضة العربية "بيروت" - يأخذ قصيدته إلى مستويات شتّى، ويذهب عميقاً في البحث لا على المستوى اللغوي أو الشِّعري فحسب، بل وأكثر من هذا على المستوى النفسي والاجتماعي، فعندما تقرأ مجموعة لـ"عماد فؤاد" فإنك لا تقرأ شعراً وحسب، بل أنت ترى مجتمعاً كاملاً في قصيدة، وترى حالات إنسانية عميقة ومتشظية في مجموعة شعرية، يحفر "فؤاد" في هذا الجانب من شعره منذ مجموعته الأولى، ففي كل مجموعاته فإنك كقارئ لن يكون في مقدورك تصنيف نصوصه على أنها شعر وتصمت، أو حتى على أنها نصوص وتصمت كما يحلو للبعض تسمية (نصوصه). في هذا الشِّعر الذي يختلط فيه السَّرد بالشِّعر بالتَّحليل النفسي بالرؤية والرؤيا، بالعمق الشديد والحساسية الأشد تجاه التحولات الاجتماعية والنفسية في المجتمع بشكل عام وفي المجتمع المصري بشكل أشد خصوصية، فمنذ أن اقترب من ("أشباح جرّحتها الإضاءة (1998) كان فؤاد لا يبحث عن ذاته فحسب في الشِّعر، فهو في كتابته الشِّعرية نقل الحالة الشِّعرية من الغوص في الذَّات حتى عبر الحديث عن الآخر، إلى الغوص في الآخر باعتباره مستوى آخر للذات.
في التفاصيل.. في المفردة يكمن الإنسان
(أصدقاؤنا
كانوا طيبين
أحياناً يلبسون باعتيادية مرهقة
مثلاً:
هدوماً من كتَّان الفراعنة الرَّخيص
ويستندون كل ليلة مرتين على الأقل
بكفوفهم العرقانة فوق درابزين السلم
فيمسحون غبار الجيران كله
دون شعور).
على مستوى آخر تلعب المفردة دوراً مهماً في تكوين حالة الإرباك في تصنيف وتلقّي التجربة الشعرية في شعر "عماد فؤاد"، وربما ساعد في ذلك هذه الحالة اللا مستقرّة من استخدام المفردة في شعر "فؤاد"، فلم يصنّف الشَّاعر نفسه ضمن قاموس معيّن، أي أنه لم يلجأ إلى تحديد قاموسه الشعري ليتناسب والشَّكل الشِّعري الذي يكتبه -قصيدة النَّثر- فلم يكن مهماً بالنسبة له أن تكون المفردات لديه هي المفردات التي يستخدمها عادة كتاب قصيدة النَّثر، فلم يستخدم المفردة لغاية التَّدليل على الشَّكل، بل لم يلتفت غالباً لمسألة المفردة والقاموس الشعري، فكانت مفرداته أكثر حيوية من أن تحدّ ضمن قاموس معيّن، فاستخدم المفردة العامية، سواء للإشارة إلى أشياء (درابزين) -وسنستخدم هنا نفس القصيدة السابقة للإشارة إلى القاموس اللغوي لدى الشَّاعر- أو إلى الفعل (شلنا)، كما استخدمها أيضاً في الصُّورة الشِّعرية في الفعل (تهدّهم) في المقطع:
(وهكذا
إلى آخر الصفحة
حتى تهدّهم اللغة تماماً
فينصرفون
متشبعين بنيكوتين خالص في الرئة)
الأيام
الثلاثاء 21 أغسطس 2007
الثلاثاء, 28 اغسطس, 2007
وبذلك خرج من سطحية التناول التي تغصّ بها القصيدة العربية لدى بحثها ومحاولة غوصها في فئات (المهمشين/ الآخرين) من أي مجتمع إلى الدخول بشكل واقعي وفعلي في أعماق هذه الشخصيات باعتبارها (المهمشّ / الأنا)، وبهذا الجمع بين كل هذه الأشكال من أجل كتابة قصيدته فقد استطاع أن يتغلّب في هذا الجانب بالذات على كثير من التجارب الروائية التي كانت من المفترض أن يكون هذا هو مجال اشتغالها الأساسي، ولنبحث قليلاً في الشخصيات التي تناولها "فؤاد" في قصيدته، وكيفية اختياره الدقيق لهذه الشخصيات من أجل التعبير عما يريده من رصد لواقع مجتمع ولحالات نفسية وعاطفية أراد أن تكون أداته لاختبار الشعر.
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








