لا عن "فؤاد" ولا عن "حريره"‮.. ‬عن الإنسان في‮ ‬الشِّعر
 
القصيدة لدى الشَّاعر المصري‮ ‬"عماد فؤاد" هي‮ ‬اشتغال على كل المستويات،‮ ‬"فؤاد‮" -‬الذي‮ ‬أصدر مؤخراً‮ ‬مجموعته الشِّعرية الرَّابعة‮ (‬حرير‮) ‬عن دار النَّهضة العربية‮ "بيروت" - ‬يأخذ قصيدته إلى مستويات شتّى،‮ ‬ويذهب عميقاً‮ ‬في‮ ‬البحث لا على المستوى اللغوي‮ ‬أو الشِّعري‮ ‬فحسب، بل وأكثر من هذا على المستوى النفسي‮ ‬والاجتماعي،‮ ‬فعندما تقرأ مجموعة لـ"عماد فؤاد" فإنك لا تقرأ شعراً‮ ‬وحسب،‮ ‬بل أنت ترى مجتمعاً‮ ‬كاملاً‮ ‬في‮ ‬قصيدة،‮ ‬وترى حالات إنسانية عميقة ومتشظية في‮ ‬مجموعة شعرية،‮ ‬يحفر "فؤاد" في‮ ‬هذا الجانب من شعره منذ مجموعته الأولى،‮ ‬ففي‮ ‬كل مجموعاته فإنك كقارئ لن‮ ‬يكون في‮ ‬مقدورك تصنيف نصوصه على أنها شعر وتصمت،‮ ‬أو حتى على أنها نصوص وتصمت كما‮ ‬يحلو للبعض تسمية‮ (‬نصوصه‮). ‬في‮ ‬هذا الشِّعر الذي‮ ‬يختلط فيه السَّرد بالشِّعر بالتَّحليل النفسي‮ ‬بالرؤية والرؤيا،‮ ‬بالعمق الشديد والحساسية الأشد تجاه التحولات الاجتماعية والنفسية في‮ ‬المجتمع بشكل عام وفي‮ ‬المجتمع المصري‮ ‬بشكل أشد خصوصية،‮ ‬فمنذ أن اقترب من‮ ("أشباح جرّحتها الإضاءة‮ (1998) ‬كان فؤاد لا‮ ‬يبحث عن ذاته فحسب في‮ ‬الشِّعر،‮ ‬فهو في‮ ‬كتابته الشِّعرية نقل الحالة الشِّعرية من الغوص في‮ ‬الذَّات حتى عبر الحديث عن الآخر،‮ ‬إلى الغوص في‮ ‬الآخر باعتباره مستوى آخر للذات‮.‬
 


وبذلك خرج من سطحية التناول التي‮ ‬تغصّ‮ ‬بها القصيدة العربية لدى بحثها ومحاولة‮ ‬غوصها في‮ ‬فئات‮ (‬المهمشين‮/ ‬الآخرين‮) ‬من أي‮ ‬مجتمع إلى الدخول بشكل واقعي‮ ‬وفعلي‮ ‬في‮ ‬أعماق هذه الشخصيات باعتبارها‮ (‬المهمشّ‮ / ‬الأنا‮)‬،‮ ‬وبهذا الجمع بين كل هذه الأشكال من أجل كتابة قصيدته فقد استطاع أن‮ ‬يتغلّب في‮ ‬هذا الجانب بالذات على كثير من التجارب الروائية التي‮ ‬كانت من المفترض أن‮ ‬يكون هذا هو مجال اشتغالها الأساسي،‮ ‬ولنبحث قليلاً‮ ‬في‮ ‬الشخصيات التي‮ ‬تناولها "فؤاد" في‮ ‬قصيدته،‮ ‬وكيفية اختياره الدقيق لهذه الشخصيات من أجل التعبير عما‮ ‬يريده من رصد لواقع مجتمع ولحالات نفسية وعاطفية أراد أن تكون أداته لاختبار الشعر‮.


في‮ ‬التفاصيل‮.. ‬في‮ ‬المفردة‮ ‬يكمن الإنسان
 

الحالة السَّردية في‮ ‬شعر "عماد فؤاد" تتبدّى أول ما تتبدّى في‮ ‬عينه شديدة التركيز على التفاصيل،‮ ‬تفاصيل قد تغيب عن بال أي‮ ‬روائي‮ ‬محترف أو مصوّر فوتوغرافي‮ ‬محترف،‮ ‬ولكنها أبداً‮ ‬لا تغيب عن نظر هذا الشاعر،‮ ‬ليست قصيدة "فؤاد" قصيدة تفاصيل،‮ ‬ولا‮ ‬يمكننا بهذه السهولة أن نصنفها في‮ ‬هذا الجانب ونرتاح،‮ ‬ربما لأن شعر "فؤاد" بقدر ما هو سهل وبسيط وواضح، بقدر ما هو معقّد ومتشابك ومتداخل،‮ ‬فالتفاصيل في‮ ‬شعره لا تتمظهر وكأنها هدف أو‮ ‬غاية شعرية،‮ ‬ولكنها تُرى وكأنَّها توظيف لهذه المقدرة على التقاط التفاصيل في‮ ‬الغاية الشِّعرية الكبرى لدى "فؤاد"،‮ ‬أي‮ ‬جعل التفاصيل في‮ ‬القصيدة لا تبدو دالة على‮ (‬الشعرية ‮/ ‬الفحولة‮)، ‬بل جعلها مكوناً‮ ‬رئيساً‮ ‬من مكونات حث وتهيئة المتلقي‮ ‬على البحث أكثر في‮ ‬فهم وإدراك ما‮ ‬يرمي‮ ‬إليه الشاعر‮.

إنها ببساطة تفاصيل تكتشف فيما بعد أنه لا بدّ‮ ‬منها،‮ ‬ليدخلنا الشَّاعر في‮ ‬هذا المناخ الغرائبي‮ ‬بين السَّرد والشِّعر،‮ ‬بين التحليل والعرض،‮ ‬في‮ ‬قصيدته‮ (‬كفوف مبلولة تمسح‮ ‬غباراً‮ ‬خفيفاً‮) ‬من المجموعة الأولى له‮ (‬أشباح جرّحتها الإضاءة‮) ‬يقول "فؤاد‮": ‬
‮(‬أصدقاؤنا
كانوا طيبين
أحياناً‮ ‬يلبسون باعتيادية مرهقة
مثلاً‮:‬
هدوماً‮ ‬من كتَّان الفراعنة الرَّخيص
ويستندون كل ليلة مرتين على الأقل
بكفوفهم العرقانة فوق درابزين السلم
فيمسحون‮ ‬غبار الجيران كله
دون شعور‮).‬

في‮ ‬هذا المقطع تتبدّى بشكل واضح قدرة هذه التفاصيل على الكشف بشكل عميق عن طبائع هذه الشخصيات،‮ ‬هذه الكائنات التي‮ ‬نقلها من الواقع وأضفى عليها‮ -‬لا من خلال الشِّعرية بل من خلال عينه الحادة في‮ ‬رصد تفاصيل وتصرفات وسلوك وهيئات وأشكال هذه الشخصيات‮ - ‬شكلاً‮ ‬شعرياً‮ ‬مغايراً‮ ‬ومختلفاً،‮ ‬فتفاصيل مثل‮ (‬كفوفهم العرقانة‮) (‬غبار الجيران‮) (‬هدوم من كتَّان الفراعنة الرَّخيص‮) (‬مرتين على الأقل‮) ‬كل هذه التفاصيل لم ترد أن توضح أو تظهر حالة شعرية،‮ ‬بل هي‮ ‬أكثر من ذلك؛ أرادت أن تكشف فئة ما في‮ ‬المجتمع المصري،‮ ‬فئة تعيش على الانتظار،‮ ‬فقيرة،‮ ‬مغبرّة،‮ ‬ولكنها في‮ ‬نهاية المطاف طيّبة‮.

ومن‮ ‬يلحظ هذا المقطع ويسقطه على أغلب قصائد "فؤاد" سيرى كم أن هذا الشَّاعر منهمك في‮ ‬رصد الحالة الإنسانية في‮ ‬مجتمعه،‮ ‬وكشف وإبراز الجانب النفسي‮ ‬على الجوانب السلوكية والاجتماعية فيه‮.‬
على مستوى آخر تلعب المفردة دوراً‮ ‬مهماً‮ ‬في‮ ‬تكوين حالة الإرباك في‮ ‬تصنيف وتلقّي‮ ‬التجربة الشعرية في‮ ‬شعر "عماد فؤاد"،‮ ‬وربما ساعد في‮ ‬ذلك هذه الحالة اللا مستقرّة من استخدام المفردة في‮ ‬شعر "فؤاد"،‮ ‬فلم‮ ‬يصنّف الشَّاعر نفسه ضمن قاموس معيّن،‮ ‬أي‮ ‬أنه لم‮ ‬يلجأ إلى تحديد قاموسه الشعري‮ ‬ليتناسب والشَّكل الشِّعري‮ ‬الذي‮ ‬يكتبه‮ -‬قصيدة النَّثر‮- ‬فلم‮ ‬يكن مهماً‮ ‬بالنسبة له أن تكون المفردات لديه هي‮ ‬المفردات التي‮ ‬يستخدمها عادة كتاب قصيدة النَّثر،‮ ‬فلم‮ ‬يستخدم المفردة لغاية التَّدليل على الشَّكل،‮ ‬بل لم‮ ‬يلتفت‮ ‬غالباً‮ ‬لمسألة المفردة والقاموس الشعري،‮ ‬فكانت مفرداته أكثر حيوية من أن تحدّ‮ ‬ضمن قاموس معيّن،‮ ‬فاستخدم المفردة العامية،‮ ‬سواء للإشارة إلى أشياء‮ (‬درابزين‮) -‬وسنستخدم هنا نفس القصيدة السابقة للإشارة إلى القاموس اللغوي‮ ‬لدى الشَّاعر‮- ‬أو‮ ‬إلى الفعل‮ (‬شلنا‮)‬،‮ ‬كما استخدمها أيضاً‮ ‬في‮ ‬الصُّورة الشِّعرية في‮ ‬الفعل‮ (‬تهدّهم‮) ‬في‮ ‬المقطع‮:
‮(‬وهكذا
إلى آخر الصفحة
حتى تهدّهم اللغة تماماً
فينصرفون
متشبعين بنيكوتين خالص في‮ ‬الرئة‮)‬

فلم‮ ‬يكن "فؤاد" ليلتفت إلى شعرية المفردة أو رصانتها أو فخامتها باعتباره كاتب قصيدة نثر،‮ ‬ولكنه أيضاً‮ ‬لم‮ ‬يكن ليلتفت إلى‮ (‬عادية‮) ‬المفردة أو‮ (‬يوميتها‮)‬،‮ ‬ولذلك فقد كانت مفرداته متنوعة بحث لا‮ ‬يمكن القبض على قاموس شعري‮ ‬محدد في‮ ‬كتابته الشِّعرية،‮ ‬وبحيث لا‮ ‬يمكن القبض على تدخّل القاموس اللغوي‮ ‬في‮ ‬تحديد إطار للشِّعرية كما‮ ‬يحدث مع كثير من الشعراء‮.

في‮ ‬الصورة الشِّعرية بالضبط ستلاحظ بشدّة ذكاء هذا الشاعر في‮ ‬تشتيتك عن الإمساك بالمكامن الأساسية لشاعريته،‮ ‬لن تستطيع أن تحدد ما إذا كان "فؤاد" شاعراً‮ ‬حسيّاً‮ ‬بالرغم من الموضوعات شديدة الحسيّة التي‮ ‬تتفجر في‮ ‬قصيدته،‮ ‬إذ ستلاحظ ما إن تحاول تبيّن هذه الصور أنه‮ ‬يذهب بعيداً‮ ‬عن العالم المادي‮ ‬والحسيّ،‮ ‬ثم‮ ‬يقترب تماماً‮ ‬منه،‮ ‬إنه في‮ ‬هذا الجانب كما في‮ ‬كثير من الجوانب مما عداه شاعر مراوغ‮ ‬بالفطرة،‮ ‬حرّ‮ ‬بالفطرة،‮ ‬لا‮ ‬يمكن أن تقيّده الرؤية الحسيّة أو المادية للعالم،‮ ‬كما لا‮ ‬يمكن أن تقيده النظرة الروحية له،‮ ‬فتراه بين هذا وذاك‮ ‬يبحث في‮ ‬صورته الشِّعرية التي‮ ‬يبثّها في‮ ‬القصيدة بمكر شاعر عن حالة من جعل الحسّي‮ ‬يتلبّس الروحي،‮ ‬خصوصاً‮ ‬في‮ ‬قصيدته‮ (‬يدها التي‮ ‬في‮ ‬مكمن ضعف‮) ‬التي‮ ‬نشرها أخيراً‮ ‬في‮ ‬مجموعته الشِّعرية الأخيرة‮ (‬حرير‮).

وعبر كل هذا المزج بين السَّردي‮ ‬والشِّعري،‮ ‬تتبدّى بوضوح صور كثيرة لأشخاص كثيرين،‮ ‬من المرأة العانس التي‮ ‬تضطرب إذ‮ ‬يقترب منها أحدهم في‮ (‬الأوتوبيس‮)‬،‮ ‬إلى العجوز المتقاعد في‮ (‬تقاعد زير نساء عجوز‮) ‬إلى أغلب قصائده التي‮ ‬يبحث فيها "فؤاد" عن الإنسان في‮ ‬مجتمع مقهور،‮ ‬ليتحدَّث عنه،‮ ‬ليقترب منه،‮ ‬ليرصد شيئاً‮ ‬من ذاته فيه أو شيئاً‮ ‬منه في‮ ‬ذاته‮.‬


الأيام
الثلاثاء 21 أغسطس 2007

أضافها مهدي سلمان @ 01:46 ص
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments
منتهى الليل

عن جريدة الوطن السعودية

 
-  إلى الشاعرة الفلسطينية سارة رشاد..
بل منها..


تهزُّ بفنجانها للغياب..
(اكتفيتُ) تقولُ:..
الخيولُ التي تركتني هنا
صهلت بين صمتي وبين المدى
ومضت..
والحقيقةُ تمشي على الرملِ
من دونِ أقدامِها
لم تكن تقصدُ النبعَ
لكنّه كان يعرفُ خلخالها
..

أنا ما اخترتُ أمي
ولكنها ولدتني على صخرةٍ
علّمتني البكاءَ
وما اخترتُ أن أصبحَ البدويةَ
في زمنٍ يكرهُ العشبَ
لكنك اخترتَ لي أن أكونكَ
يا قاتلي البدويُّ

وأميّ أعرفها,
لم تكن تطعمُ الروحَ أغنامَها
لم تكن خيمةً في فِراشِ الرحيلِ,
ولا نجمةً تتعكّزُ ليلَ القوافلِ
أو طلقةً في نحيبِ المدى,
أو ثُغاءَ غزالٍ يصيدُ المكانَ
ويفلتُ من بين أنيابِ صيّادِهِ
كي يموتَ جريحاً
على صخرةٍ علّمتهُ البكاءَ

ولكنك اخترتَ
يا قاتلي البدويّ لها أن تكونَكَ
واخترت لي أن أراها وأُنكرها

                     ׏׏׏׏

منتهى الليلُ
ليلُكِ يا بدويّةُ
قاسٍ كأنَ نبياّ سيُصلبُ
أغفلَ من خوفهِ.. دمه في الصليبِ
وأنتِ اكتفيتِ به
ليلُكِ الرطبُ يا بدويةُ
                   ׏׏׏׏

هل هكذا أشمُ العمرَ؟
لي رحلةٌ نحو خوفي المؤجلَ
يا قاتلي منكَ,
أعبرها نحو خوفي المؤجلَ مني
وأهلي.. تركتُ لهم غربتي
حين قالوا [المكانُ احتويناهُ]
قلتُ
ولكنني يحتويني الفراغُ
أنا البدويّةُ
في زمنٍ يحتفي بالمسدّس

لا ظلّ لي كي أهشّ به زمني
لا كواكبَ أعرفُها في السماءِ
وتسمحُ لي أن أنامَ إلي ظلِّها
ليس مني المكانُ

وأمي التي أرّختني
لها هامشٌ في الزمانِ
ولكنك اخترت يا قاتلي البدويّ
لها أن تكونكَ
واخترت لي..
أن أصيرَ الحكايةَ والرمزَ
واخترتَ لي أن أعيشَ
أنا البدويةُ
في زمنٍ يكرهُ العشبَ
في زمنِ يحتفي بالمسدّسِ
في زمنٍ يتهجّى المكان.

أضافها مهدي سلمان @ 02:54 م
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments
شعرية التناقض في «هاهنا جمرة.. وطن.. أرخبيل»
الوقت البحرينية- صابر الحباشة:
تتأتى الصورة الشعرية البارعة الحسن من سبل شتى؛ لعل الشاعر المُفلق هو ذاك الذي يجعلها عيانا لا سماعا. وكلما انشحنت الصورة بالتوتر الخلاق، أوقعت المتقبل في لذة أصخب ومتعة أسخى.
الكون الشعري الذي ترسمه القصيدة الحديثة هو كون مختلط بين عناصر ومكونات لا تلتقي إلا في الحلم أو على بياض الورقة.. يتشظى الكون المعقول المنضبط بقوانين المنطق، ويتراخى على إيقاع كثافة إيقاعية تخييلية عالية تشتط في أن ترينا ما لا نراه عيانا.
تبدأ القصيدة منسابة رقراقة تضفي على القارئ إيحاء لطيفا بالسرد أو الوصف الوديع.. ثم تتشكل ملامح اللوحة، فتفتن الرائي وتخلب لبّ المتقبل.
لا غرابة في أن ينتقي الشاعر مهدي سلمان أحلى قصيدة ليصدّر بها ديوانه البكر ‘’هاهنا جمرة، وطن، أرخبيل’’. فقصيدة ‘’ارتباك’’ بالفعل تربك قارئها وتوقظه على دهشة فنية ومتعة جمالية خالصة:
هذا المساء
أقل إرباكا لقلبي
كل شيء منه في الجهة الصحيحة
صمته في ذيل طاووس
وأعمدة الإنارة سُلِّطت نحو السديم
ووجه ظلمته على وطن
شوارعه إلى الأحشاء تُفضي (ص11)
تلتقي في هذا المقطع تجليات لغوية متراكبة وإجراءات أسلوبية متعاقبة: الإسناد يفتح باب الحدّ، والحدّ يتم بالأعراض. تتوالى الجمل الاسمية ذات المبتدآت المركبة من مضاف ومضاف إليه (كل شيء - صمته - أعمدة الإنارة - وجه ظلمته) بنية مستقرة تتكرر مرة في صيغة إسنادية وأخرى في صيغة جملة نعتية (تتكون بدورها من مركب إسنادي اسمي).. فالوصف يسيطر على هذه البنية التركيبية العامة لهذا المقطع. وإذا نظرنا إلى العناصر المذكورة في هذا المقطع، انطلاقا من محتواها الدلالي، وجدنا أنها تنقسم إلى عناصر طبيعية وأخرى بشرية، وفق الجدول التالي1:
الطبيعة - البشر - المساء - ذيل طاووس- السديم - ظلمته - الأحشاء - قلبي - أعمدة الإنارة - وطن - شوارعه.
غير أن هذا الجدول لا يعبّر بدقة عن تواشج هذه العناصر وتكتلها في لحمة النص وسداه. إن الشاعر يربط بين متعلقات الطبيعة ومتعلقات الإنسان في ضرب من الحميمية، بل قل في نوع من التنافذ والانسجام الأنتروبومورفي (التجسيمي) حيث لا عوازل ولا فواصل بين القريب والبعيد أو بين الكبير والصغير أو بين الواسع والضيّق...
إنه كون شعري لا يجد حرجا في لملمة أشتات لا تلتقي أبدا. ولا حرج في أن تطلب المعنى فلا تدركه:
صمته [المساء] في ذيل طاووس
عبثا تحاول أن تتعسف على الكلام، فتتأول من حضور الطاووس معنى الخيلاء والعُجب، ولكن هل يمكن أن تنقل هذه الدلالة الرمزية الإيحائية من الطاووس إلى ذيله؟ طبعا للذيل دلالة سلبية في العادة .. فإذا زاوجت بين المضاف والمضاف إليه، ألفيتَ الصورة قائمة على ثنائية البناء والهدم.
إنها محاولة للإرباك عمدت إليها اللغة لتجعل المتعلقات الصوتية السالبة (الصمت) مُسندة إلى المتعلقات المرئية المبنية المهدومة (ذيل طاووس)، فتنشأ تفاعلات لغوية معرفية تؤدي إلى إحداث دهشة تتجاوز حدّ تراسل الحواس الرمزي إلى تحقيق نوع من التفريغ القسري للعبارات من محتوياتها القضوية.
وتصبح الاستعارة مكتنزة بتراكيب متنافرة تذهب بالتأويل كل مذهب، وقد يكلّ الفكر ولا يقرّ على قرار.. إنها استعارة مفخخة باللامعنى وصورة منفتحة على كل التآويل.. أي إنها تشكيل فريد لصناعة المفارقة وبناء التخييل.
وتبدو صورة المزاوجة بين الطبيعي والبشري واضحة في قوله ‘’وأعمدة الإنارة سلطت نحو السديم’’.
فكأنّ الفعل البشري المحدود يتوجه نحو أفق وفضاء طبيعي لا حدود له، وهو ما يعزز المفارقة. أمّا الربط بين شوارع الوطن والأحشاء، في قوله ‘’ووجه ظلمته على وطن
شوارعه إلى الأحشاء تُفضي’’.
فواضح الدلالة الرمزية على الانتماء والولاء... وإن كان جعل الأحشاء هدفا للشوارع ومستقرا لها، فيه ما فيه من عكس الصورة التي ابتناها في الصورة السابقة:
المحدود - اللامحدود
اللامحدود - المحدود
فيظهر تشكيل حلزوني ينطلق من البشري ويعود إليه بعد أن يمر بالطبيعي ثم بالبشري الرمزي (المتوسط بين البشر والطبيعة: أي فعل الإنسان في الطبيعة) ولكن كيف يكون للظلمة وجه؟ ههنا تتبلور ثيمة التناقض التي ينبني عليها المقطع:
ذيل - طاووس
الإنارة - السديم
وجه - ظلمته
شوارعه - الأحشاء
ثمة تصبح عبارة (الجهة الصحيحة) دالّة - بطريقة تهكّمية - على عكسها تماما.
فالكون الذي تنشئه لوحة البداية، متنافر متناقض يحمل بذور الارتباك وهو صنيع لغوي تشكل بفعل بلورة الاستعارات المتنافرة والمفردات المتناقضة والعلاقات المتجافية .. ممّا يزيد في تعقيد وضعية الصورة المتشكلة في سياق الاستهلال الذي يدلف عبره القارئ إلى جوهر القصيدة ومتن الديوان.
ملاحظة:
وضعنا كلمة (الأحشاء) في قسم الطبيعة وكلمة (القلب) في قسم البشر لسببين: الأول أن (القلب) مسند إلى ضمير المتكلم في حين أن (الأحشاء) لم تكن كذلك، الثاني أنّ (القلب) يحتمل دلالة مجازية، فيصبح استعارة عن موضع المشاعر والاعتقاد ... وهي من خالص متعلقات البشر . 
 
4-8-2007م
 
أضافها مهدي سلمان @ 01:18 م
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments


<<الصفحة الرئيسية