حسين عبدعلي.. المفهوم المغاير لتجريب الممثل

 
عبدعلي في متروشكا
 
 
 

 

تغيظني كثيراً عبارة (يكرر ذاته)، لأنها غالباً ما تصدر لا عن دراية حقيقية بالتجربة التي تطلق هذه العبارة عليها، أو على الأقل فلنقل، لا عن اختبار حقيقي لمدى التطوّر الحاصل في جوانب بعينها في هذه التجربة، ولا عن وعي بمدى ما تثير هذه الكلمة في نفس (المبدع / صاحب التجربة) من أسئلة كثيرة قد تأخذ المبدع إلى الانقطاع عن منظور بحثه، والدخول في منظور آخر، بغية البحث عن (التجديد.. هذا) أو (عدم التكرار) فيقع في إشكالية عدم اكتمال التجربة، والدخولات المتكررة في تجارب متعددة، قد لا تفضي إلى فهم حقيقي واكتمال واعٍ.

مردّ ما أقوله الآن يرجع إلى الفنان حسين عبد علي وعمود الصديق حسام أبو إصبع الذي نشره الأربعاء ١١ أبريل، والذي ذكر فيه أن عبد علي (بإرادة منه أو بغير إرادة يكرر نفسه بسبب التشابه غير المعقول في المسرحيات التي يمثّل فيها)، ذلك أن التمثيل المسرحي بشكل خاص من بين الفنون الأدائية الأخرى وكافة الفنون الإبداعية يتطلّب التجريب والتطوير فيه طول أناة ومثابرة من قبل المبدع / الممثل، وقوة ملاحظة، ودقة تركيز لدى قارئ العمل الإبداعي الذي هو (الممثل حسين عبد علي في هذه الحالة)، فلا تكمن المسألة في التنويع بين الشخصيات في الأعمال المسرحية، بقدر ما تكمن في التأمل العميق لمدى تطوّر القدرات الجسدية والصوتية والشعورية وغيرها لدى هذا الممثل، أي وضع (التجربة بشتّى عناصرها) في موضع ملاحظة دقيقة على مدى زمني معيّن لا يُقاس بعدد الأعمال، ولا بمدى التنوع بين الشخصيات (أو قدرة الممثل على خلق تنوّع في الشخصيات)، بل أساساً يقاس بمدى إدراك الممثل لهذه الشخصيات التي يؤديها وإن تشابهت، وتطويره لهذا الإدراك مع كل عمل، وأدوات قياس هذا تتمثل في ما ذكرنا من طاقات جسدية وصوتية وشعورية وفكرية، إضافة إلى استخلاص البنى النفسية والإدراكية والشعورية لدى الشخصيات، والبناء عليها.

نحن أبداً لا نترك الفرصة لأي تجربة بأن تأخذ مداها المعقول في الاختمار ومن ثم الاختبار، حتى تصل إلى مرحلة من مراحل النضج، ونطالب التجربة دائماً بالتبدّل والتحوّل ولا نطالب أنفسنا بالتأني في تأمل التجربة وملاحظتها، مطلقين حكم (يكرر نفسه) ناسين أن تجربة الممثل (بشكل عام) يجب أن تقاس بشكل منفصل عن تجارب المخرجين، إذ لابدّ أن نلحظ أن تجربة الممثل لا تؤخذ في كل عرض بشكل منفصل، بل يجب أن نراكم في أذهاننا تجارب هذا الممثل في كل عروضه، كما نلحظ ذلك لدى رصدنا لتجارب المخرجين، والاختلاف يكمن في مغايرة أدوات الممثل عن أدوات المخرج، لذا فإن معرفتنا بأدوات الممثل ومدى تطوّرها وصقلها واختبارها من قبله، هي التي يمكن أن تعطينا نتيجة إن كان الممثل (يكرر نفسه أم لا).

وهذه العبارة لا تطلق على الممثل فحسب، بل على كل حالة إبداعية دون أن يعاين قارئ هذه الحالة الإبداعية إن كان الخلل يكمن حقاً فيها، أم فيه، أي في التلقّي البسيط والتلقائي وغير المعمّق لأي تجربة، إذ لابدّ لنا لدى قراءة تجربة بعينها أن نلحظ دائماً أن لكل تجربة خصوصياتها، سواء على مستوى فهم الحالة الإبداعية أو على مستوى أدوات المبدع، ولذلك لابدّ لنا لدى قراءة أي تجربة إبداعية أن نبدأ من هذه الخصوصية وأن نلحظ مدى تأثير هذه الخصوصية على نوعية الفهم المغاير لدى المبدع، وأن نلحظ أيضاً مدى تطوّر هذه الخصوصية ومدى استيعابها وتعاملها مع مختلف الموضوعات التي يتناولها المبدع في أكثر من عمل، ومثل هذا العمل في قراءة أي تجربة هو عمل دقيق يحتاج إلى دربة في ملاحظة وقراءة التغيّرات والتبدّلات سواء السلبية أو الإيجابية التي تحدث في التجربة بشكل عام وفي خصوصياتها بشكل خاص.

عبد علي ممثل (طاقة) كما يذكر أبو إصبع، ولذلك فإن قراءة مثل هذه الطاقة تتطلّب طاقة أخرى في القراءة، ولا يجدي أن نجعل من انهيار مفاهيم كالمختبر والورشة والبحث والبناء على البناء في مسرحنا البحريني، كما يذهب لذلك أبو إصبع سببا في التعجّل بقراءة هذه الطاقة، وذلك بسبب أن مثل هذه المفاهيم - إذا سلّمنا بانهيارها في المسرح البحريني - لا يمكننا التسليم أبداً بانهيارها لدى ممثل مبدع كحسين عبدعلي، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفرض عليه كممثل أن يصيبه ما أصاب المسرح البحريني، خصوصاً إن لاحظنا خصوصية تجربة عبد علي والمخرجين الذين يشتغل معهم، ولا يمكننا أيضاً أن نطبّق نتائج قراءتنا للمسرح البحريني، على قراءتنا لتجربة خاصة في المسرح سواء كان عبد علي أو غيره، فكل تجربة يجب أن تقرأ على حدة، بخصوصياتها، وبمفرداتها.

أخيراً فإن ما يمكن أن نطلبه من عبدعلي ليس ما طلبه منه أبو إصبع بأن يتحرّى هو إيجاد حلول يرتضيها وتلبّي طموحه، بل أن يقف عبدعلي أمام نفسه، وينظر - طالما لم يوجد من ينظر إلى ويقيس ويقيّم تجربة مثل تجربته - إن كان فعلاً قد أنهى - كممثل - مرحلة من مراحل تجريبه على ذاته واختباره لطاقاته، وأن ينتقل إلى مرحلة أخرى من التجريب، أو أن يستمر في هذه المرحلة حتى يقتنع هو تماماً أنه قد أنهاها، ووقتها ولما بعد ذلك.. سنقول لعبدعلي ولغيره من الممثلين والمخرجين والمسرحيين البحرينيين، الذين يشتغلون ويحاولون ويختبرون دون أن يكون ثمة في مقابل ذلك قراءة فعلية لما يقدّمونه، ونقد حقيقي لاختباراتهم وبحثهم، عليكم أن تتحمّلوا هذا العبء أيضاً.. مادام أن أحداً في هذه الساحة الثقافية لم يكلّف نفسه أن يبحث في تجربتكم بشكل فعلي وحقيقي وفاعل.

23-4-2007

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية