موانئ النورس الغائب

      

 

 

 

 

موانئ النورس

 الغائب

 

 

ثلاثة مشاهد شعرية

في مولد الإمام المهدي ( عج )

2003 م/1424هـ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الميناء الأول :

 

( في ميناء عراقي , الحركة القليلة تدل على تباطؤ الحياة , أناس يعبرون من الداخل بشكل متقطّع , الشيّالين يحملون بعض البضائع أو يبحثون عن من يحملون له بعض البضائع , العساكر الأجنبية تُلاحظ بشكل واضح عابرة الميناء يميناً وشمالاً , في ركن ما شيّالان يتحاوران .. )

الأول   : ما أصعبها عيشة ..

منذ بزوغ الفجر هنا .. ولم يعبر أحدٌ يسألُ عن شيّال ..

الكيسُ نظيفٌ من أيام ..

هذا وأنا وحدي .. لا خلفي امرأةٌ أو أطفال ..

قل لي بالله .. كيف تدبّر رزقكَ هذي الأيام ..

وأنا أعرفُ أن وراءكَ كومُ عيال ...

الثاني   : الله كريم

والله ولا أقسمُ إلا بالله ..

هذا ثالث يومٍ لم يدخل في بطني زاد ..

فأنا لا أجمع في يومي إلا ما يكفي بضعةَ أرغفةٍ

أقسمها بين الزوجة والأولاد ..

ماذا نفعل .. فلقد حطّت فوق الجسدِ المُتَفسّخِ أسرابُ جراد ..

الأول   : أومن جلاّدٍ يا ربي حتّى جلاّد .. ( يبتسمان )

( يدخل شيخ كبير في السن يتلفّت يميناً ويساراً .. وكأنهُ أضاعَ شيئاً .. يقترب من الشيّالَين )

الشيخ   : السلامُ عليكم ..

الإثنين   : وعليكم السلام ...

الأول   : أهلاً , أهلاً  .. آمر يا شيخ ..

الثاني   : هل عندكَ شيلة .. ظَهرينا أقوى ظهرَينٍ في هذا الميناء .. وبأجرٍ أزهدُ مما تتصور

الشيخ   : ( يقاطعه ) لا .. والله .. ما عندي شيلة ..

لكن .. جئتُ أسائلكم عن بعض العسكر ..

الإثنين   : ( ينظر كل منهما للآخر .. باستغراب )

الأول   : العسكر .. ؟

الشيخ   : بالأمس .. أطبَق بعض العسكرِ في قريتنا ..

أخذوا ما أخذوا من أقواتِ عيالي وعيالِ القرية ..

فأنا شيخُ القريةِ .. لكن ..

الثاني   : لكن ماذا يا شيخ ...

الشيخ   : أبداً لم نرفض أن نعطيهم ما يبغون ..

فأنا .. وجميعُ أهالي القرية نعرفُ ..

أن لا فرق.. إن وافقنا .. أو لم ..

فهُمُ بالتأكيدِ سينتزعون

وبحدّ السيفِ جميعَ مطالبهم .. بل أكثر ..

لكن

الإثنين   : لكن ماذا يا شيخ ..

الشيخ   : عن طيبةِ خاطر .. أعطيناهم كلّ مؤونتنا ..

لكن

الإثنين   : لكن ماذا يا شيخ

الشيخ   : أطمَعَهم هذا ..

الأول   : في ماذا ؟

الشيخ   : أخذوا بنتي الصغرى .. مريم

ساقوها من قدّامي .. وأنا أنظر .. وجميعُ أهالي القرية ...

لكن

الإثنين   : لكن ماذا يا شيخ ..

الشيخ   : لكن أحداً منهم لم يتكلّم ..

الأول   : يا شيخُ ..  وأنت .. ؟

الشيخ   : أغلقَ فميَ الخوفُ .. ولم أنطِق ..

ورأيتُ أهالي القرية .. ينسّلون .. بعيداً عني ..

الثاني   : فإذن ..

ما جاءَ بكَ الساعة ؟

الشيخ   : أبحث عن مريم ..

عن حلمٍ من بينِ يديّ تسرّبَ كالماء

لم يغمض جفني منذ الأمس ..

ما لامسَ قلبي إلا صوتُ أفاعٍ ..

تسري في هوّةِ نفسي الظلماء

الثاني   : والآن .. ؟

الأول   : أجئتَ لتأخذها وحدك ؟     

الثاني   : بل جئتُ لأطلبها منهم ..

الأول   : ماذا ؟

الشيخ   : أشريها منهم .. أدفعُ .. كل ضياعي

الثاني   : .. تشري بنتك ؟

الشيخ   : باتت جاريةً .. يشريها من يدفعُ أكثر ..

منذ استولى بالأمسِ عليها العسكر ..

الثاني   : ما هذا يا شيخ .. ؟ ما أعجبَ ما نلقى منك ...

( يدخل بعض الجنود الأجانب , يلمحون الشيخ يذهبون باتجاهه )

الميجور  : أنتَ هنا .. ماذا تفعل .. ؟

الشيخ   : ( بارتباك ) أهلاً ميجور ..

جئت أقول لكم أني .. أو .. إن كنتم .. يعني .. إن كنتم .. فأنا ..

الميجور  : إن .. إن .. قل ماذا تبغي بالضبط ..

الشيخ   : أشري بنتي ..

الميجور  : ( يضحك ) .. تشري .. بنتك ؟ ..

الشيخ   : إن كانت لكمُ رغبة ..

الميجور  : ماذا ؟

الشيخ   : أعني ..

الميجور  : ( للجنود ) لكنّا لم نفرغ منها بعد .. ( يضحكون )

الشيخ   : ( منّكساً رأسه ) لكن                                   

الشيّالان : ( باستغراب ) لكن ماذا ياشيخ .. ؟

الميجور  : حسناً .. حسناً .. كم تدفع ؟

الشيخ   : ( يتهلل وجهه ) أدفع ما تطلبُ يا ميجور ..

عندي بعض ضياعٍ في ناحيةِ القرية ..

والآن ... في عبّي كيسانِ من الذهبِ

الميجور  : مجنون .. مجنونٌ .. وغبي ..

الشيخ   : ماذا ؟

الميجور  : ( للجنود ) يا جندي .. خذ منهُ الكيسينِ

( يبدأ الجنود بتجريد الشيخ من  ثيابه بحثاً عن الكيسين ثم يرمونه على الأرض , يسلمون الميجور الكيسين , ويتثقلهما ويضحك  )

أما الضيَع العندك .. فهي لنا منذُ وطئنا هذي الأرض ..

وأما بنتك ..

فأنا مثل ملاك الموت ..

ما آخذهُ .. أبداً .. لايقدرُ أحدٌ أن يسترجعهُ مني ..

( يهم بالإنصراف , ثم يلتفت للشيخ مرة أخرى )

قم واذهب إلى قريتك .. وهيء لنا مؤنتنا .. سنمرّ عليكَ الأسبوع القادم .. وارجو أن نجد لديك ما نريد ..

( ينصرف الجنود .. ويبقى الشيخ والشيّالان .. ينظر كل منهم للآخر )

 

 

 المجموعة الأولى :

أعتَمَ البحرُ , غطّى بأسمالِهِ وجهَهُ , وبكى في خشوع

أعتمَ البحرُ , هزّ مراكِبَهُ كي تنامَ على صدرِهِ .. وأدارَ وشيعتَهُ للرجوع ..

أعتَمَ البحرُ .. ضلّلَ نورَسَهُ

ياعراقُ .. أريني يديكِ إذا قطّعتها الشواطئُ ..

أو بلّلتها الدموع ..

المجموعة الثانية :

يا لها غربةُ الماءِ والنورسِ الحالكة

يالها غربةٌ شائكة ..

يا لهذا الظلامِ الذي سدّ بابَ الصلاة ..

وأطفأ بعض الدروب التي

ربما قد تؤدي إلى لحظةٍ مُربِكة ..

المجموعة الأولى :

أدرك رُعاكَ رَعاكَ الاحدُ الأحدُ      ففي قطيعكَ خاض الذئبُ والأسدُ *

المجموعة الثانية :

يا الغائب .. أدرك

هذي كل موانئكَ تغشّاها صدأ القلب ..

تغشّاها الزَبَدُ ..

هذي كل موانئكَ

فأدرِك ..

طالَ الصمتُ وأعيانا الكَمَدُ ..
* البيت للحاج سلمان المسجّن
 
 
الميناء الثاني :

 

(في ميناء فلسطيني , تجمهر حول جثّة ملقاة على الضفة , الوجوم يخيّم على وجوه الجميع بينما الحرسة مشدّدة على الجثة)

الأول    :عينانِ تشعّانِ بريقاً مصحوباً بالجنّة ..

 مبتسمٌ .. لا يبدو ميتاً ..

الثاني    :كالمتعمّدِ في إبريقِ صلاة

كالمرتشف الساعةَ آياتٍ من سورةِ مريم

مازالت خضر الأحرفِ تشتعل على شفتيه ..

الأول    : ( للشخص الثالث الواقف معهما )

صف لي بالله ..

كيفَ رأيتَ الحادث ؟

الثالث   :كانوا أربعةً

أوجههم أعلى من خصلةِ شمس

من خلفِ عيون ِ البحرِ أتوا

في الفجر بخفةِ همس
زورقهم يمسك حبل الماء رويداً

وهمُ يحنونَ حديد الليل بأذرعِهم ..

كنتُ هنا .. وهناكَ العسكرُ كانوا ينتظرون ..

الثاني      :أهناكَ إذن من بلّغَ عنهم ؟

الثالث    : إثنان , كانا ينتظرانِ معَ العسكر ..

ثم رأيتُ الزورق يتوقّف عندَ نواحي الميناء

وإذا بالعسكر من كل جهات الميناء

يحوطون القارب

الثاني     : أيُّ جبانٍ آثمْ بلّغ عنهم ؟ .. هل شاهدتَ ملامحَ هذين الشخصين ؟

الثالث   : كانا يضعانِ الكوفيّة .. ولذلك لم ألحَظ جُلَّ ملامحهم

الثاني    : النذلان ..

الأول    : إيهِ .. وماذا بعد ؟

الثالث   : فرَّ الأربعةُ من القارب للبحر ..

وهذا الشاب تسلّل نحو الضفّة

أمّا الباقون .. فلا أعرفُ عنهم شيئاً ..

غابوا في البحر ..

أمّا هو فقد اكتشف الجند مكانه ..

الثاني    : كيف ؟

الثالث   : لا أدري .. لا أدري ..

لكنهمُ قتلوهُ هنا  ( يدخل الميجور مرتدياً بزّة عسكرية أخرى , ومعَهُ بضعة جنود )

الميجور  : ( يُخرج من جيبه بضعة عملات مالية ويعطيها للأول والثاني )

شكراً لكما ..

لولا ما قدّمتم من معلوماتٍ

ما كنّا أمسكنا الزورق

والأسلحةَ الهرّبها الإرهابيون ..

الثالث   : أنتم ؟ .. أنتم من بلّغتم عنهم ؟

الأول    : أكل العيش .. لا تسئ الظن .. هذا كلّه

من أجل اللقمة ..

جندي   : ( يشير للثالث ويسّر الميجور في أذنه )

الميجور  : ( مبتسماً يأخذ النقود ويعطي الثالث أيضاً , الإثنين ينظران باستغراب )

الثالث   : .. لا تستغرب .. لا تستغرب ..

فأنا من أخبرت الجند مكانه .. حين ترجّل عن ظهر المركب ..

ماذا أفعل .. أكلُ العيش .. أكل العيش !

( يقف الجميع بانشداه يتأملون الجثة الملقاة على الضفة )

 

 

المجموعة الأولى :

على حلمٍ نديّ الروح

يطلع من عيونِ الصمت ..

أبحتَ بهِ بأذن الماء ..

كي يأتيكَ أو ما بُحت ..

المجموعة الثانية :

أدرك تراتكَ أيها الموتورْ               فلكم بكل يدٍ دمٌ مهدورْ *

المجموعة الأولى :

أدرك ..

المجموعة الثانية :

أدرك ..

هذي أممٌ تقتاتُ من اليأس

وهذي أسرابٌ

من لعنة

حطّت فوقَ موانئكَ

وما هذي المحنة ..

إلا ظلٌّ آخرَ للآتي .. من خلفِ

الأبواب الموصدةِ على المجهول /

فأدرك

بالنورْ

يا نورَ اللهِ .. بقايا من شُعَلٍ موقدةٌ

وسطَ ظلامِ الديجور ..

 

* البيت للسيد جعفر الحلي

 
 
ميناء آخر

 

( مجموعة تنتظر على رصيف الميناء وهي تلوّح بأيديها تارة وتخفض أيديها أخرى وكأنها تستقبل وتودّع أحداً في نفس الوقت )

الأول    : تُرى أين مركبهُ ..

هل رسى على شاطئٍ مهملٍ ..

أم عسى أحطّ على غيرٍ جرحٍ يداً

أضلّ .. أملَ .. تُرى .. أم نسى ..؟

الثاني     : ستأتي .. ولن تأتِ يا غائباً ..

يقرّبهُ البعدُ .. أو يحبسه ..

الثالث    : أنظروا ( يشير بيده نحو مركبٍ ما )

هل نودّعها .. رحلَت .. !

الأول    : ( وبصَرهُ على المركب ) يا لهُ مركبٌ ..

يمخر البحر ..

غادرنا دون أن نستعدّ لتوديعهُ جيداً ..

الثالث   : لا نزالُ على شطّنا ..

 والمراكب تعبر راحلةً عائدة ..

الثاني     : ولا مركبٌ مدّ نحو أصابعنا السائلاتٍ يدَه ...

الأول    : نستقبل سفناً ونوّدع أخرى ..

الثالث   : ننتظر القادم من أشراش المشمومِ

ومن سُمرةِ بَلَحٍ مدني ..

الأول    : ماذا نفعل ؟ ..

ممكتوبٌ أن نُربَطَ في حبلٍ معقودٍ بالصبر ..

أن نجلسَ تحت الجمرِ وفوق الجمر ..

الثالث   : هل يأتي .. أم نرحلُ نحنُ إليه ؟

الثاني     : مكتوبٌ أن القادمَ يأتي عند بزوغِ الفجر ..

وعلى حينِ الغفلةِ يأتي الأمر ..

الأول    : هل نبقى ننطرُ أن يأتي ؟

الثالث   : ضقتُ الآنَ بهذا الصمتِ

وضقتُ بهذي النظرة

أحملُها في عيني .. لا .. أبداً

ليسَ بهذا الصمت .. تكونُ النُصرة ..

لن أجلسَ وأراقبَ سفناً تعبرُ في ذاكرتي ..

سأكونُ سفيناً أعبرُ ذاكرة العالم ..

سأكونُ بشارةَ هذا الآتي ..

أحملهُ في عينيّ وأرحل ..

حتى يأتي ..

سأمهّدُ جسَد الدنيا

كي يخطو أولى الخطوات عليها ..

الثاني     : فلنصبحُ هذا المركب ...

ولنمضي نحو الآتي .. يأتينا أو ناتيه ...

( يركب الجميع .. وتنطلق السفينة )

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية