تنامُ على زهرةِ الليل حينما أدركت سرّهم, مثل موءودةٍ تتحرّى بكارة حفرتها, مسحوا قبرها بالتميماتِ, كيفَ يوارونَ سوءتهم لا تلومي عليهم, كانَ سربُ الفراتينَ ليطلِقَ شيطانَهُ في صدورِ النساءِ وكانت خناجُرُهم تتهيأُ يخرجُ في خلوةِ الروح, هل اقترفَ الوقتُ موتاً أعزُّ, أعمى, يفتّشُ عن ليلةٍ لا تنامُ قومي من الموتِ, أعمى يشيخُ الرصيفُ على جانبيهِ, وحدسٌ غريبٌ.. 
ومشكاةُ ليلتهم,
نارهم, حدُّ سكينهم,
زيتهم في وباء الحكايات,
أرنبهم, عودُ نعنعهم,
وتطأطئ أحلامهم,
جمرهم,
حمأةٌ في كتابهم الأم,
أسنانُ مشطهم المتشابك في الصدر,
إبهامُ ربّهمُ في فمٍ لا يُتأتئُ,
منديلُ بحرهمُ المتأنّقِ,
زخرف كسرتهم,
وستائرُ شيبتهم,
نومُ قمصانهم في عراءِ الكلامِ,
وأسماكُ آرائهم...
و تفاجئهم
رحّلاً,
حسّراً ,
حزّناً
فزعت / فزعوا..
وأهالوا الظلامَ عليها
بكوها قليلاً
كما يفعلُ الآخرون بسندسهم
نفضت عنهم الشيبَ,
عنها..
وعن يدهم
فتحوا فجوةً في سرير الرثاءِ,
أشادوا لها نصفَ مرثيّةٍ,
وزّعوا عند قبرِ القتيلةِ,
موتى يُجيدونَ موتَ الأساطيرِ..
غطّوا يديها بمشمومةِ الدهشةِ,
انتبهوا.. للفراتِ الذي خبّأتهُ بحلمتها..
قطعوا ثديها,
وبكوهُ قليلاً
كما يفعلُ الآخرون بسندسهم..
فاضَ الدعاءُ من الطينِ
مثلَ حمامٍ يُسافِرُ في فلكِ الأضلعِ,
اتسّعَ الموتُ,
ثمّةَ سربُ فَرَاتِينَ يخرجُ من قبرِها فزِعاً
لا الترابُ دمٌ كي يغطّوهُ بالليلِ
لا دمها كوكبٌ كي يهشّوا الملائكَ عنهُ
ولا وجهها زهرةٌ فرشت نومها في المقابرِ
لا قاتلٌ تتربّصُ أعذارُهُ بالقتيلْ
لا غرابٌ هنالكَ, لا قلقُ الله
لا آدمٌ باردُ القلبِ يبكي قميصيهِ..
لا نَدَمُ الإخوةِ الموجعين..
ترابٌ يرعِّشُهُ الهذيانُ,
فيبردُ بالصوتِ, والماءِ.. والأدعية
دلفوا يمضغونَ كراماتها,
يعلكون بحسرتهم ليّنَ المعجزاتِ
كما يفعلُ الآخرونَ بسندسهم,
يوقعونَ النجومَ على ركبتيها,
وينتحبونَ,
ويوصونَ أشجارَهم بالسكوتِ,
ويقترفونَ لها أسودَ الظلِّ, يرقُونَها
ثُمَّ يرقُونَها
ثمّ يرقَونَها..
وتُفشي لشرشفكِ المترشّح,
أحصي التماعاتِ أعينهم,
واخرجي كالخرافةِ ملويّةً,
فصّصي الجسدَ الصمَّ,
واشتملي بانفلاتِ السناجبِ
من بينِ قوسين,
وانفردي فوقهم
كالربابةِ حينَ يُسرُّ بأضلاعِها
وترٌ كلمةً لِوتر..
يقفزُ مثلَ الغزالِ على ليلِهم ويئنُّ,
يُغازلُ زوجاتهم بالبكاءِ,
ويُتلِفُ قمصانَهم
حينَ يسكبُ بعضَ النبيذِ عليها,
وينسى يديهِ كثيراً
على صدرِ أجملهنّ,
ويمحو كلامَ الفساتينِ بالشهواتِ,
ويهمسُ خيلاً بآذانِهنّ,
يراقِصُ نجماتهم خِلسةً,
فيسِحنَ ويدهنّ أبوابهم بالوشايةِ
والكذبِ الزعتريّ الجميلْ..
عليهِ بأن يتحدّث للماءِ سرّاً,
وأن يتذكّر نسيانَهُ دائماً,
كي يظنَّ بأنّ الفراغَ..,
ولا يتراءى لهُ قبرُها,
كي يصدّقَ أن الذي يقلقُ الليلَ
ما بين عينيهِ
ليسَ سوى ضربةً في الرمادِ,
يصدّقَ أن ارتجافَ يديهِ
دبيبَ دمٍ في أصابِعِهِ,
وتلألؤِ عينيهِ ليس الجريمةُ
تومِضُ في حدقةٍ
بل غبارُ حكايا يحكُّ العيون..
مشحوذةً في خواصرِهم,
والعقيقُ يسّحُ
فيخضِبُ بيضَ لِحاهُم,
هنالكَ تمهرهم بالشراك الخديعةُ,
في خفّةٍ يحملونَ على ظهرِهم
سنواتٍ من الشكّ,
لا تسقطُ السنواتُ
ولا يسقطونَ من التعبِ,
النومُ هودجهم,
واسمرار أصابعهم في مقابضهم,
تتلقّفهم في النكاية أعينُ زوجاتهم..
لا يذوبُ من الملحِ
إلا الذي كان يؤخذُ
من تحتِ ساقيهِ.
يبحثُ عنها وعن قبرِهِا..
والفراشاتِ,
موتٌ أمامَ مشارِفِ موتٍ
أضاعَ عناوينه من يديه,
فلا الروحُ تفاحةُ الخاسرينَ
ولا هو سربُ الفراتينِ,
قتلٌ كأنَ الحياةَ على طَرَفِ الخنجرِ..
- الآنَ ضاقت عليّ الأزقّةُ
واحتوشتني أصابِعُ قلبيَ
والآنَ تصعدُ نحوي وجوهٌ مضت في الرحيل
وتخفض من طرفها جملتي,
وتؤنبني جمرةُ المستحيل
وموتاً أشدُّ مِضاءاً,
وموتاً أقلُّ من الموتِ خبثاً,
لكي أدفن الليل في نجمتين
وأمضي إلى حيث أشربُ أسئلتي مطمئناً,
أفكّر في قلقي
وأعضُّ على حلمةِ الشعر..
لتقتادَهُ نحو أوجاعِهِ
(ستفاجئهُ مرةً, أو يفاجئها..
ينسيانِ بأنهما التقيا كي يناما
على كتفي حلمٍ,
مرةً.. بعدَ أخرى),
وأعمى يقضُّ مضاجعَ موتاهُ أو قاتليهِ :
- أنا القبرُ,
سربُ الفراتين,
روحي غبارٌ,
خرجتُ من القبرِ سرّاً..
تخفيّتُ خلفَ الحجارةِ حتى تيبّس قلبي,
تخفيتُ خلفَ الغمامِ
فأمطرني خالقي أعيناً تتربّصُ بي,
وتخفّيتُ خلف الكلامِ
فبحتُ بسرّي..
وأخطأني قاتلي
مرةً بعد أخرى,
وأخطأتُني مرّتينِ
فلا الروحُ تفاحةُ الخاسرين,
ولا أنا..
وحدي أمامَكِ,
وحدي وخلفَكِ ذاك الطريقُ الطويلْ.
تشيخُ الفساتينُ بين يديهِ,
تشيخُ الخناجرُ مشحوذةً
في أكفٍّ تشيخُ,
يشيخُ حديدُ ابتساماتِ من طاردوهُ,
يشيخُ العمى بين عينيهِ..
أعمى يسيرُ وراء السؤالِ,
يقودانِ بعضهما
- أنتَ سرتَ أمامي,
فقدني إليكَ, إليها
- ولكنني أعرفُ الدربَ بالحدسِ
أعرفُ أني ستوقفني خطوتي في الممرّ الطويلِ إليهم
يكونونَ في آخري يشحذونَ مشاغلهم
وأنا تتباطأُ بيني وبيني الحكايةُ
لا أعينٌ تترقّبُ, حدسٌ شفيفٌ
وحسبُ..
وأسقطُ في قبرِها
ثمّ يتّسعُ الموتُ لي ولها..
ثم أقضمُ تفاحتي.
السبت, 13 يناير, 2007
الروحُ تفاحةُ الخاسرين,
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








