الشهيد / فتحي الشقاقي
محمود درويش
ظهري إلى الحائط وطني حقيبة وطني حقيبة كفي على النجمة وطني حقيبة
4 –
* قدمها مسرح الريف باسم (غضب الدار ) في مهرجان أوال المسرحي الثاني، بإخراج الفنان محمد الحجيري
لروح الشهيد / الدكتور فتحي الشقاقي
مسرحية
مهدي سلمان
ليدِهِ على فوّهةَ الوقت.
(إن واجب المجاهدين اليوم في فلسطين , وأكثر من أي وقتٍ مضى أن يمنعوا استقرار هذا العدو , وبأي ثمن ..)
الأمين العام السابق للجهاد الإسلامي
( يفتتح المشهد على بيت فلسطيني من الطراز القديم حيث الباحة الكبيرة والغرف المطلّة عليها , والنافورة في وسط الباحة , هنالك بضع أشخاص يتجولون في البيت , يلاحظ من ملامحهم أنهم يهود , ومعهم رجل فلسطيني في العقد الخامس من عمره , ولكن يبدو عليه الكبر , يبدأ اليهود بتصوير المكان , ويتفحّصونه جيداً بأدوات حديثة معهم , فجأة يسمع صوت كأنّه نشيج أو صراخ مكتوم )
الأول : ما هذا الصوت يا حاج شكري؟
الحاج شكري : ( يتأفّف ) إنهُ إبني محمود .. بعيد عنكَ
وعن السامعين مُصاب بمرض خطير .. لا أدري ماذا أفعل معه .. والله إني احترت معه .. فلقد
الأول : ( يقاطعه ) خـلاص .. خـلاص ..
دعنا نكمل ....
يعني .. يا حاج شكري .. البيت أصبح من المفروغ منه أنّ الحكومة ستأخذه , ومن الآخر .. فإنكَ لن تستطيع أن تُقارع الحكومة .. , وبعدين .. ماذا ستفعل ؟
الحاج شكري : العلم عند الله ..
( يرتفع صوت الصراخ مرة أخرى , يلتفت الحاج شكري للغرف العليا ويصرخ ) يا سلمان يا إبني , بالله عليك إنظر إن لم يأخذ أخوكَ الدواء فاسقهِ له ياولدي , رحم الله والديك .. ربما خرج
الثاني : ( يربت على كتفه ) أنا أقول لك خذ
العشرة آلاف شيكل أفضل لكَ من أن تبات لتصبح فتجد نفسك في الشارع وليس عندكَ مأوى .. ولا مال تسند به ظهركَ في ذاك الوقت ..
شاحاك : أنت تعرف أن أولادك يحتاجون للمصاريف
فإبنكَ سلمان لم يجد له عملاً بعد , وحتى لو وجد فما سيتقاضاه لا يمكن أن يؤمّن لك مأوى أو أن يؤمن ما تحتاجه وعائلتك من مصاريف طعام ومؤنة وعلاج للمحروس محمود , وبعدين الدولة لم تعد لكم .. وها أنت ترى كيف بُحّ صوتك عندما اردت ترميم البيت , ولم تمنحكَ السلطات رخصة , يا عزيزي خذها مني نصيحة , خذ المال واذهب إلى غزّة .. أو لبنان أو أي بلد عربي آخر .. ألم تقل لي مرة أن لكَ أقارب في غزّة .. ؟ إذهب إليهم .. إو إذهب إلى أي بلد آخر وعالج إبنك محمود يا أخي ..
أما هنا فإنكَ تعرف أنكَ لن تجد سوى المضايقات .. خصوصاً بعد ما حصل من إبنكَ فارس ( يلاحظ تغيّر وجهه ) رحمة الله عليه .. ها .. ماذا قلت ؟
الحاج شكري : قلت أفكّر ..والله المعين في هذه البلوى التي
حلّت على رأسي ولا أعرف لها تخريجة .. بالله عليكم أين سأذهب في هذا العمر .. هل أستطيع أن أستبدل وطني هكذا بكل سهولة .. ؟ يا ألله .. من أين حلّت علي هذه المصيبة ..
الأول : ( بغضب ) تفكر ؟ تفكر في ماذا يا حاج
أنت تعرف أن الدولة إذا أخذت البيت فلن تعوّض عليك ولا بقرشٍ واحد ( بتحنّن ) بينما نحن نعرض عليك عشرة آلاف شيكل , أبو فارس .. الدولة غضبانة عليك بسبب ما فعله إبنك , فماذا تنتظر .. نحن نعرض عليك خروجاً بلا أضرار من هذا الذي دعوتهُ مصيبة .. خذ المال واترك هذي البلد التي قتلت ابنك .. وهاجر إلى أي دولة أخرى ليس بينك وبينها ثار .. أنت تعرف أنه ما من مقام لك هنا في إسرائيل بعد الذي كان من فارس .. لماذا تُكابر ؟
الحاج شكري : الله يجازي اللي كان السبب ..
الثاني : يا أبا فارس .. البيت بعد شهر سيصير
تابعاً للوكالة اليهودية للآثار , هذه معلومات أكيدة وأنت بنفسك رأيت الصور والخرائط , وإذا كنت ستنتظر لتتأكد بنفسك سيكون البيت قد طار .. والشيكلات أيضاً .. بعد شهر من الآن سيكون هذا البيت موقعاً للتنقيب عن الآثار اليهودية من العصر السليماني العبري هنا في القدس , هذا أمر واقع , فماذا يقول العقل ؟ ها ..
أن تستفيد من هذا البيت بمبلغ من المال أو أن تصلّب رأسكَ ولا تحصل سوى على الندم والذل والمهانة في آخر حياتك .. , تصوّر نفسك ساكن في خيمة على حدود القدس .. لن تستطيع .. أنا اعرفكَ جيداً يا أبا فارس , مؤكد لن تستطيع .. ثم أنك لست لوحدك , إن معكَ أولادك الذين كبروا ما شاء الله عليهم .. ألا تريد أن تزّوج سلمان .. أن ترى أولاده قبل أن تموت .. الله يطول بعمرك , هنا في إسرائيل .. لا لن تستطيع فما فعله فارس سيظل يلاحقهم ويلاحقك طوال حياتهم .. يعني أيرضيكَ أن يظل أبناؤك مُطاردين طوال حياتهم على جرم لم يكن لهم يد فيه ؟؟ خليك عاقل يا حاج .. بعِ البيت لنا ونحن نستطيع التصرف مع حكومتنا .. واستفد بالمال , فأنت لم يعد لك عيشٌ هنا على هذه الأرض .. بِعْنَا البيت يا حاج .. بعهُ واخلُص
الحاج شكري : (يقف مشدوهاً لا يعرف ماذا يقول )
شاحاك : يا الله .. نحنُ نستأذن .. وسنأتيكَ بعد
يومين لنعرف ردّك .. وأرجو أن لا تتأخر علينا في الرد .. فربما تباغتنا الوكالة .. وتتصرف بما يسوؤكَ .. ويسوؤنا .. ( يخرج الثلاثة , ويبقى الحاج شكري وحيداً , يتأمل البيت , فجأة يرتفع صراخ محمود من جديد , يجلس الحاج شكري على الأرض واضعاً يده على وجهه )
( إظلام )
1-
سرقتَ دموعَنا يا ذئبُ
تقتلني , وتدخلُ جثّتي لتبيعَها !
أخرج قليلاً من دمي
حتى يراكَ الليلُ أكثرَ حُلكةً
واخرجْ
لكي نمشي لمائدةِ التفاوضِ واضِحَين
كما الحقيقةُ
قاتلاً يُدلي بسكّينٍ
وقتلى ..
يُدلونَ بالأسماءِ
صبرا
كفرُ قاسمْ
دَيرُ ياسينٍ
شاتيلا
محمود درويش
مديح الظل العالي 1983
( نفس المشهد السابق , تفتح الإضاءة تدريجياً على أبي فارس بنفس الوضعية السابقة , يدخل عليه ولده سلمان فيجده منكساً رأسه , ثم يرفع راسه ينظر لسلمان بحزن .. ثم ينكّس راسه مرة أخرى )
سلمان : ماذا قال لكَ هؤلاء النجس حتى صرت
بهذه الحالة ؟
الحاج شكري : ( ينظر إليه بحزن ) يا بني أتريد أن تتزوّج ؟
سلمان : أيُّ زواج يا أبي .. إن دم المرحوم لم يبرد
بعد , وحرقة دم أمي عليه وموتها طريحة الفراش , عن أي زواج تتحدث يا أبي بالأمس فقط دفنّا أمي .. وقبلها أخي , الذي لم نستطع حتى دفن بقايا رفاته ..
الحاج شكري : كان هذا منذ ثلاثة اشهر .. ثم أنني لا
اتحدث عن اليوم ..
أنا أتحدث عن الفكرة .. ألا تراودك فكرة الزواج ..
سلمان : الفكرة التي تراودني الآن ليست فكرة
الزواج ..
ولكن ما دخل الزواج في هذه السحابة من الحزن التي غطّت وجهكَ منذ أن دخل هؤلاء عليك .. هل جائوا ليخطبوا لي ؟
الحاج شكري : ( يبتسم هو الآخر ) والله يفعلونها .. وهل
عاد هنا شيء في حياتنا لم يتدخلّوا فيه .. لم يبقَ إلا أن يزوّجوا شبابنا حسبَ أهوائهم .. ( فترة صمت )
المسألة يا ولدي أنهم قالوا لي شيئاً لخبطَ كياني .. , جعلني ساهماً لا أعرف ماذا افعل .. ( يتطلّع كل منهم نحو الآخر ) يقولون أن البيت سيصير بعد شهر تابعاً للوكالة اليهودية للآثار ..
سلمان : أي بيت ؟
الحاج شكري : بيتنا هذا .. يقولون أن تحته آثاراً من العصر
العبري .. يجب أن يهدموه ليتاكدوا من ذلك ..
سلمان : أي عصر عبري .. وأي آثار .. ماذا تقول
يا أبي .. ؟
الحاج شكري : والله .. هذا ما قالوه , أروني بعض الخرائط
وأشياء لم أعرفها , وقالوا لي أن البيت سيدخل ضمن مشاريع الوكالة في الشهر القادم ..
سلمان : وهل هم من الوكالة ؟
الحاج شكري : إنهم موظفون في الوكالة .. ولكنهم جاؤا
اليوم بصفة شخصية .
سلمان : لماذا ؟
الحاج شكري : عرضوا عليّ شراء البيت مني .. قبل أن
تضع الوكالة يدها عليه ..
سلمان : ها .. ها .. !
الحاج شكري : أعرف أنهم يسعون لمصالحهم الخاصة , لكن
يا إبني والله إن كان كلامهم صحيحاً , فسوف نذل في آخر حياتنا , ثم أنهم فرّجوني على صور وخرائط ومخططات .. وتعرف أن شاحاك يعمل في تلك الوكالة , وهو أدرى .. يعني ... المسألة ...
سلمان : لا يا أبي .. لا تقل أنك موافق على البيع ..
الحاج شكري : يابني .. ليست هذه هي .. الحكاية ...
ولكن .. أووف .. كنتُ أعرفُ أنّك ستقول هذا .. أنت عنيد مثل أخيك ولكن المسألة الآن أكبر منّا جميعاً .. أنت تعرف أننا إن رضينا أو لم نرض فإنهم سيأخذون البيت , .. يعني لازم نحسبها صح .. والوكالة
سلمان : لا يا أبي إذا أردنا أن نحسبها صح علينا
أن نتمسك بحقنا , البيت بيتنا ولن نتخلّى عنه
الحاج شكري : سيُهدّ فوق روؤسنا
سلمان : ليكن .. ولكن المهم
الحاج شكري : لا يا ولدي .. المهم عندي هو أنتم .. لا
أريد أن أجرّب الخسارة مرة أخرى .. أرجوك يا ولدي , يكفيني ما حلّ بنا من جرّاء ما فعلهُ أخوك .. والله إذا خسرت أحدكم بعد سأموت .. لم تعد لي طاقة على الإحتمال .. لا يا ولدي .. المهم أنتم .. والبيت .. البيت في داهية ..
سلمان : ( يهزّ رأسه ) البيت في داهية .. والأرض
في داهية .. والوطن في داهية .. ماذا تبقّى لنا إذن أن نسفّ التراب .. أن نركع على ركبنا نستجدي هذا أو ذاك .. أن نهرب كالفئران ونختبئ من كل خشخشة ..
الحاج شكري : نحن .. نحن نبقى لبعضنا .. حتى لو تكوّرنا
في جحر خُلد .. ( سلمان يهز رأسه معترضاً دون أن يتكلّم ) وأنت تعرف أن المرحوم .. لم يترك بما فعله مجالاً لنا للعيش على هذه الأرض ..
سلمان : الشهيد فارس .. إن ما فعلهُ الشهيد فارس
فعلهُ ليبقينا على هذه الأرض .. فعلهُ لتشرّش جذورنا هنا في وطننا ..
الحاج شكري : ( يتنهّد .. ينهض من مكانه ) الشهيد
فارس .. إذا كان هناك رجل في الدنيا فهو الشهيد فارس إبني .. الله يرحمه , أعرف هذا جيّداً , وأعرف أن ما فعلهُ لا يعادلهُ شيء في الدنيا , لكن يا بني , لسنا كلنا نستطيع أن نفعل ما فعله .. وأنا مسؤول عنكم أنتم .. أولادي .. كلكم , أنت وأخوك وأخواتك البنات .. هنا أو في غزّة .. أنتم أمانة في عنقي , أمك أوصتني عليكم , وأنا لا أستطيع أن أترك البيت ينهدّ على رؤوسكم وأقف أتفرّج .. ومن أجل ماذا .. من أجل آثارات يهودية .. الله يعلم أنها أبداً لم يكن لها من أثر تحت تربة هذا البيت .. يا بني .. إسرائيل لا يهمهّا أحد , والعالم سيدير ظهره لنا دون أن يسمع صرخاتنا .. وربما في أحسن الأحوال سيقف ليتفرّج علينا .. ويمصمص شفاهه في تحسّر .. ثم لن يفعل شيئاً , يعني لو ركبنا رأسنا .. فلن يجدينا هذا سوى الخسران من الجانبين ..
سلمان : هذا إن كانوا صادقين يا أبي .. ألم تفكر
أنهم يريدون فقط أن ينهبوا البيت منك .. يعني .. أليس ممكناً أن الوكالة لا تدري بشيء عمّا يفعلونه
الحاج شكري : يا ولدي .. حتى إن كان ماتقولهُ حقيقة
فغاية الأمر أنهم سيستصدرون تصريح بالحفر .. ثم يغدو ما قالوه واقعاً مفروضاً .. الأمر ليس عسيراً عليهم يا ولدي ..
فهم يعملون في الوكالة .. ونحن في دولة يهود .. يعني في النهاية .. البيت لهم عاجلاً أم آجلاً
سلمان : ليس إن قاومناهم
الحاج شكري : وماذا يفيدنا إن فعلنا .. يا إبني .. الله
يرضى عليك .. لا تحمّلني أكثر مما أستطيع .. يعني لو قاومناهم ماذا سنفعل سوى أن نموت هنا .. أنا كنتُ أعرف أنكَ ستكون المشكلة .. أنت مثل أخوك فارس أبداً لن ترضى بترك البيت .. لكن يا إبني .. لأجل خاطر أبوك يا إبني .. لا تُذّلني في آخر حياتي
سلمان : يا أبي .. التمسّك بالحق ليس إهانة .. ولا
ركوب راس .. كيف نتخلى عمّا هو لنا بكامل إرادتنا لمجرّد أن منتزع حقنا أقوى منا .. فليقتلوني .. وليأخذوا البيت بعدها ..
الحاج شكري : وأظل بحسرتي عليكم واحداً بعد الآخر ..
أترضاها لي يا ولدي ..
سلمان : لا يا أبي .. لا أرضاها .. ولكن أنت أيضاً
لا ترضى لي أن أعيش بقيّة حياتي ذليلاً , والله يا أبي إن فعلتها وبعت البيت ستبقى هذه حسرة تؤرقني لبقيّة حياتي ..
الحاج شكري : ستنسى ياولدي , ستنسى ..
سلمان : ( يصمت ) ..
الحاج شكري : سنذهب إلى غزّة , على الأقل أخواتكَ
البنات هناك
سلمان : ( يهز رأسه ) عن إذنك يا أبي , أنا ذاهب
الحاج شكري : إذنك معك يا ولدي ( يهم سلمان
بالذهاب بينما يدخل محمود فيتراجع سلمان ليسلّم على محمود )
سلمان : أهلاً محمود , كيف حالك اليوم ..
محمود : بخير .. بخير ..
الحاج شكري : منذ قليل كنت تصرخ
محمود : نعم ..
سلمان : ألم تأخذ الدواء ؟
محمود : بلى .. بلى أخذته منذ قليل
الحاج شكري : إسترح يا ولدي
محمود : سمعت أن شاحاك
الحاج شكري : ( يقاطعه ) أجل كان هنا .. كان هنا ..
محمود : وماذا يريد ؟
سلمان : أبوك قرّر أن يبيع البيت ..
محمود :( باستغراب ) وأين سنذهب إن بعت
البيت يا أبي أتريدنا أن نبات في الشارع ؟
الحاج شكري : سنذهب إلى غزّة ..
محمود : إلى غزّة . ولماذا .. ما الذي يدعونا لبيع
بيتنا والسفر إلى غزّة ,ثم ما دخل شاحاك ؟
سلمان : شاحاك سيشتري البيت ..
محمود : ( بغضب ) بعيد عن شواربه ..
الحاج شكري : ( ينظر لمحمود بغضب ) محمود .. أبوك
أعطى كلمة ..
محمود : ( يصمت )
سلمان : ( بضجر ) إذهبوا إلى غزة .. إذهبوا إلى
المريخ .. أما أنا فلن أبارح هذا البيت حتى يتمزّق جسدي .. تحت جرافاتهم .. ( ينظر لأبيه بتحنّن ) عفواً يا أبي ولكن , لن أغرّب نفسي وأنا لي بيت ووطن ..
الحاج شكري : بل ستأتي معنا ..
محمود : ما الحكاية .. ؟
الحاج شكري : الحكاية طويلة .. ومفادها أن بيتنا هذا
ستصادره الوكالة اليهودية للآثار .. وشاحاك طلب شراء البيت قبل أن تصادره الوكالة .. وسيدفع عشرة ..
محمود : وأنت قررت الذهاب بنا إلى غزّة ؟ ما
الفائدة يا أبي فهناك أيضاً سنظل تحت قبضتهم وأي بيت نسكنه فسيكون مصيره مثل هذا البيت ..
الحاج شكري : ( واجماً ) وماذا أفعل ؟
محمود : ليكن أي مكان آخر .. بعيداً عن إسرائيل
مكان أستطيع أن أتعالج فيه , وتستطيع أنت وسلمان العثور على وظيفة فيه .. ولكن غزّة , غزّة دائماً مقصوفة , محاصرة , فماذا ستفعل هناك , هل ستترك أزواج بناتك يصرفون عليك ؟
الحاج شكري : ولكن .. يعني نتغرّب عن فلسطين ..
محمود : غربة في غربة , وهل نحن هنا في فلسطين ؟
نحن هنا في إسرائيل , وفي غزّة أيضاً سنكون في إسرائيل
سلمان : ماذا تقول يا محمود ؟لم أظن أبداً أنك تفكر
بهذه الطريقة !
محمود : ( يوجّه كلامه للأب ) مكتوب علينا الغربة
يا ابي .. فليكن تفكيرنا منطقياً .. ولنرحل إلى مكان نستطيع العيش فيه عيشة أوادم ..
الحاج شكري : ولماذا لا نلملم أنفسنا ؟
محمود : أين ؟ في غزّة ؟ في غزّة يتبعثر الإنسان فرداً
فكيف نلملم أنفسنا في غزّة ؟ لا .. لا .. نلملم أنفسنا في مكان آخر .
سلمان : بل نلملم أنفسنا هنا .. على هذا التراب ,
وفي حضن هذا البيت
الحاج شكري : ( بضيق ) هذا البيت خلاص ..
سلمان : إذا كان هذا البيت خلاص , فنحن أيضاً
خلاص
الحاج شكري : لا .. نحن باقون .. في غزّة .. أو في أي
مكان آخر ..
سلمان : أشباح .. ظلال مشوّهة , مسوخ بشر
ولكن بقائنا هنا هو ما يعيد لألواننا صفائها .. والتشبّث بالأرض هو ما يعيد لوجوهنا ملامحها التي بهتت .. وانمّحت ..
الحاج شكري : ( يهز رأسه ) لقد قررت البيع والرحيل
وانتهى الأمر .. وغداً سيأتي شاحاك وسأتفق معه ..
2 –
سأصرخُ في عزلتي
لا لكي أوقظ النائمين
ولكن
لتوقظني صرختي , من خيالي السجين
حالة حصار 2002
المشهد الثالث :
( سلمان يدخل ومعهُ إثنين من أصدقائه ويجلسون علىالمصطبة )
محمد : ( يلتفت يمنة ويسرة ) أخاف أن يسمعنا
أحد ..
سلمان : لا , المكان آمن محمود في الأعلى والبنات
في المطبخ .
شاكر : كل المواد جاهزة , إشتريتها منذ يومين
وخزنّتها في مكان سري .. ولكن ماذا عن العملية ؟ أظنك لم تجد بعد الموقع الملائم ؟
سلمان : لا أدري . ولكن المركز التجاري أصبحت
عليه حراسة مشدّدة طوال الأربع والعشرين ساعة .. وهذا سيصّعب عمليتنا .. إن لم يجعلها مستحيلة .
محمد : وماذا سنفعل ؟
سلمان : لا أدري .. ولكن لابد أن هناك بديل
للمركز التجاري ..
شاكر : ولماذا لايكون المطعم المحاذي للمركز , إنّه
يكتّظ دائماً عند الساعة الثانية , وهذا صيد جيّد .
محمد : لا .. لا . هذا المطعم يدخل فيه الكثير من
العرب .
سلمان : يبدو أنه علينا أن ننتظر ..
محمد : لا بأس .. مزيد من الوقت يمنحنا مزيد من
الإطمئنان على نجاح العملية .
شاكر : أعتقد أن ما فعلَهُ بهم الشهيد فارس رحمه
الله هو ما أجنّهم وجعلهم يتشددون لهذه الدرجة .
سلمان : ولكني أعتقد أنهم في النهاية لن يستمرّوا
بهذا التشدّد فهذا يضايق زبائنهم أيضاً ..
شاكر : أعتقد أن هذا التشدّد سيزول تدريجياً ..
محمد : نعم , وعلينا فقط أن ننتظرهم حتى
يطمئنوا ويريحوا أعصابهم , ثم نضرب ضربتنا .
شاكر : ولكن حتّى ذلك الحين علينا نحن أن نجهّز
لعمليتنا بالشكل الجيّد , لا نريد أي خطأ
سلمان : بالطبع .
محمد : متى يأتي ذلك اليوم .. أعتقد أن هذه
العملية إن نُفذّت بالشكل الجيّد ستكون ضربة قاصمة ..
سلمان : العمل من الداخل صعب , ولكن نتائجهُ
في الصميم
شاكر : إنّه يضرب أمنهم في مقتل ..
محمد : لن ندعهم يشعروا بالأمان في ديارنا ,
سنجعلهم يعيشون الرعب كل ساعة وكل ثانية , وسيكون على كل واحد منهم أن يلتفت يميناً ويساراً قبل أن يخطو أي خطوة
شاكر : ولتتحول حياتهم إلى ترقب وخوف دائمين
محمد : ( لسلمان ) سمعنا أن شاحاك يُكثر من
زيارتكم هذه الأيام ؟
سلمان : يريد من أبي أن يبيعه البيت ..
محمد : وهل وافق أبوك ؟
شاكر : بالطبع لا .. أليس كذلك , ربما رماهُ
بالجزمة ..
سلمان : ( يصمت )
محمد : ماهذا .. نحنُ نريد أن نتشبّث بهذه الأرض
وأبوك
سلمان : ( يقاطعهُ ) أبي مرغم على التفكير بهذه
الطريقة , ولكني لن أدعهُ ينفذ ما في دماغه ..
شاكر : وما الذي يرغمهُ على بيع البيت ؟
سلمان : قالوا لهُ أنّه إن لم يبع البيت فإن الوكالة
اليهودية للآثار ستأخذ البيت بحجّة أنّ تحتهُ آثار يهودية ..
محمد : ( يهز رأسه ) وبالطبع فإنه إن إنتظر الوكالة
فلن يحصل على قرش واحد ..
شاكر : نكاية به لما فعلهُ الشهيد فارس ..
سلمان : وهنا استغل شاحاك الفرصة .. وعرض
عشرة آلاف شيكل .. وليقبل أو يبات في الشارع , لم يستطع أبي أن يضحّي بنا , إنه مخطيء ولكني أعذره , ولكني لن أدعهُ يضحي بفلسطين من أجلنا . علينا البقاء ولو هدوّا هذا البيت فوق رؤوسنا . عليهم أن يعرفوا أن التهديد لن يجدي معنا .
محمد : ولكن هذه مشكلة ربما تعطّل العملية ..
سلمان : لا أدري .. أفكر .. إن أصّر أبي ونفّذ ما
يريد .. ماذا أستطيع أن أفعل معه ..
شاكر : على العموم , علينا التعامل مع هذه القضيّة
بحذر , لا نريد إثارة الشكوك حولنا , نحن مقبلون على عملية خطيرة , ولا نريد لشيء أن يقف في طريق تنفيذها ..
محمد : نعم .. وعلى أكمل وجه
سلمان : لله التدبير ..
محمد : ربما يجب عليك يا سلمان أن لا تقف في
طريق إرادة والدك ..
شاكر : ماذا تقول ؟
محمد : من أجل العملية , إن أراد الرحيل وبيع
البيت دعهُ يرحل , وفي بيتنا متّسع لك .
شاكر : ربما يكون هذا حلاً مناسباً ..
سلمان : في الظروف العادية .. ربما , ولكن مبيتي
في بيتكم سيلفت الأنظار نحونا , نحن الآن ثلاثة أصدقاء عاطلين يبحثون عن عمل معاً في الصباح , وفي المساء يذهب كلٍ منا لبيته , ولكن أن أبات عندكم سيلفت إلينا الأنظار , وسيقول الناس لماذا لم يذهب مع أبيه .. لماذا .. ؟
شاكر : لننتـظر ونرى ما ستسـفر عنهُ الأيام
القادمة .. نستأذن الآن ..
سلمان : نلتقي غداً .. إن شاء الله
الإثنين : إن شاء الله ..
( إظلام )
( صوت صراخ شديد , تفتح الإضاءة تدريجياً على الحاج شكري في وسط البيت ومعهُ سلمان .. وصراخ محمود يتعالى )
الحاج شكري : الله يرضى عليك يا ولدي لا تترك أخاكَ
حتى تطمئن على حالته , الوجع يزداد عليه ولا أدري ماذا أفعل معه ( يخرج من جيبه مبلغاً ) خذ هذا ربما تحتاجه .. أسرع .. أسرع
سلمان : حسناً ولكن لا أريدكَ أن تفكر يا أبي ,
محمود سيكون بخير إن شاء الله ( يخرج )
الحاج شكري : إن شاء الله .. ( ثوانٍ تمر والحاج شكري
واقف يفكر , طرق على الباب يذهب الحاج شكري ليفتح الباب , يدخل شاحاك وزميليه ) أهلاً , أهلاً .. تفضل .. تفضلوا ..
شاحاك : أهلاً يا حاج .. كيف حالك ..
الحاج شكري : ( يتنهد ) الحمد لله على كل حال ..
شاحاك : رأينا المحروس سلمان على عجلة .. أرجو
أن يكون الداعي خيراً ..
الحاج شكري : محمود ساءت حالته كثيراً وذهب به أخوه
إلى المستشفى ..
شاحاك : ( بلا مبالاة ) ها .. ( يلتفت إلى زميليه )
المهم , لنتكلم في الموضوع ..
الحاج شكري : أولاً أقدم لكم ما تشربونه ..
شاحاك : لا .. لا .. نحن مستعجلون ولا نريد أن
نطيل هنا ورائنا اشغال , نحن فقط جئنا لنقول
الحاج شكري : ( يقاطعهُ ) أنا موافق على البيع .. موافق .
شاحاك : أجل .. ولكن الأمر هذه المرة يختلف ..
الحاج شكري : وما الذي اختلف .. ؟ أنا موافق على
البيع .. أيكون أن الوكالة اصدرت قرارها ؟
شاحاك : لا .. لا .. ولكن مدير الوكالة عرف
بالأمر , وطلب منّا نصيبهُ وإلا فإنّهُ سيقف عثرة في المسألة ..
الحاج شكري : نصيبه ؟
الأول : من البيت ..
الحاج شكري : لستُ أفهم
الثاني : على العموم .. لقد قررنا أننا لا نستطيع
منحك سوى خمسة آلاف ..
الحاج شكري : خمسة .. لماذا .. ؟
شاحاك : للبيت .. قلنا لك أن المدير عرف بالأمر
وطلب نصيبه ..
الحاج شكري : ولكن .. نحن إتفقنا خلاص
شاحاك : ذاك إتفاق آخر .. نحن أبناء اليوم ..
الحاج شكري : خمسة آلاف .. ؟
شاحاك : لو كانت المسألة بيدي .. ولكن أنا معي
إثنين آخرين يريدان حقهما ..
الأول : والمدير حين عرف بالأمر .. تدري . يريد
ثمن ونحن لا نملك إلا أن نعطيه ..
الثاني : المسألة خطيرة يا حاج شكري .. يجب أن
تتعامل معها على هذا الأساس .. لم يعد بإمكاننا أن نقدم لك الكثير , وعليك أن تحسم امرك قبل أن يتفشّى الخبر , عندها سيكون عليك مغادرة البيت دون أن تحصل على أي شيء .. طبعاً .. هذا لن يرضيك ..
الحاج شكري : ولكن خمسة آلاف.. أنت تعرف أن البيت
يساوي أكثر من خمسة وثلاثون الفاً .. أنت أيضاً لا ترضاها لي أن أبيع بهذه الخسارة ..
الأول : بلى نرضاها .. نرضاها لك .. وعليك
أن ترضاها لنفسك أيضاً , أنت كنت ستخسر البيت دون الحصول على أي شيء .. ولكن أنت الآن ستأخذ في جيبك خمسة آلاف .. ماذا تريد غير ذلك ؟ .. ثم تذكر أنّك لا تبيع البيت .. أنت تنقذ نفسك وعائلتك
شاحاك : وخمسة آلاف نعمة يا حاج شكري ..
نعمة , وأنا لا أعلم عنك أنّك ممن يرفسون النعمة , قبّل يدك واشكر الله على انّه بعثنا لك , لننقذك من ورطتك .. ولا تتبطّر يا حاج ..
الحاج شكري : ( يصمت ) لا أدري ماذا أفعل , خمسة
آلاف مبلغ زهيد .. وقد كنت معتمد على عشرة .. يعني الحكاية ..
شاحاك : أنت حر .. الأمر كلّه بيدك الآن , إما ان
تقبل وإما أن ترفض , وسيكون عليك أن تتحمل النتيجة في الحالتين , ولكن أريدك أن تعرف أننا لا نستغلّك .. أبداً .. ولكن مثل ما أنت لا تريد أن تخسر نحن كذلك , ومثل ما أنت تبحث عن مصلحتك .. نحن أيضاً , يعني الأمر كله مصالح وشغل .. ولا أريدك أن تزعل مني يا حاج فأنا أحبك وأحب لك الخير ..
الحاج شكري : نعم .. نعم .. ( واجماً ) ولكن هذا ظلم لي
ولأولادي ..
شاحاك : قلت لك .. إقبل أو ارفض .. الأمر بيدك
الحاج شكري : إقبل أو ارفض .. وكأنك تقول لي كيف
تريد أن تموت ..
الأول : نحن نعطيك خمسة آلاف .. ولا يجوز لك
أن تقارن هذا بالموت .. إنه حياة ..
الثاني : الموت هو مافعلَهُ إبنك فارس بنا .. ولا
تبدأ في الحديث وكأننا نريد قطع رقبتك
شاحاك : ( يندس زميليه وينظر لهما غاضباً ) لم
يقصد يا حاج .. إعذره .. لم يقصد ..
الحاج شكري : ( واجماً وكأنه لا يسمع كلامهم ) وإن
كان .. وإن كان .. ولكنني حائر .. ماذا ستفعل خمسة آلاف ..
شاحاك : تفعل الكثير , على الأقل ستمكنك من
السفر خارج هذه البلاد , بأقصى سرعة , وهناك عندما تحط رحالك في أي بلد تختار .. بالتأكيد ستجد لك عملاً , أنت ما شاء الله عليك ما تزال في صحتك .. وإبنك سلمان هو الآخر .. سيجد وظيفة ملائمة .. إتكل على الله واقبل ولا تتخلى عن هذه الفرصة .. فربما لن يكون بعدها فرص ..
الحاج شكري : حسناً .. أقبل وأمري لله ( على الفور
يُخرج شاحاك أوراقاً من جيبه ويأخذ الحاج شكري بالتوقيع عليها , بينما يخرج الثاني مبلغاً من المال يعطيه الحاج شكري ويضعهُ في جيبه , ثم يعتدل الحاج شكري في جلسته , وكأنه يطردهم ) في أمان الله .. ( ينظر الثلاثة لبعضهم البعض مستغربين من تصرّفه , ثم يقومون الواحد بعد الآخر ويخرجون في هدوء دون أن يقول أي منهم كلمة .. ) ( فترة صمت ) ( يدخل سلمان ناكساً رأسه وهو يبكي , .. ينظر الحاج شكري إليه باستغراب , ينهض من مكانه ويصدر صرخة مدويّة .. ثم يقع على الأرض )
( إظلام )
3 –
وطني حقيبة
وحقيبتي وطني
ولكن .. لا رصيفَ ولا جدار
لا أرضَ تحتي كي أموتَ كما أشاء
ولا سماء
حولي لأثقبها , وأدخلَ في خيامِ الأنبياء
الحائط .. الساقط !
وحقيبتي وطنُ الغجر
شعبٌ يخيّم في الأغاني والدخان
شعبٌ يفتّش عن مكان
بين الشظايا .. والمطر
وجهي على الزهرة
الزهرةُ / الجمرة
في الليل أفرشها سريرا
وأنامُ فيها
أدفنُ الأحباب فيها
أرتضيها لي مصيرا
وأموتُ فيها
النجمةُ / الخيمة
من جلدِ أحبابي وأندلسِ القريبة
وطني على كتفي
بقايا الأرض في جسد العروبة
الصخرةُ / الحرّة
محمود درويش
مديح الظل العالي 1983
( جموع من المعزين يجلسون على كراسي , البعض يدخل والبعض يخرج , بينما صوت القرآن يهيمن على المكان , ينهي المقرئ قرائته فيما الحاج شكري وسلمان واقفين يتلقيان التعازي )
الحاج شكري : ( وهو يبكي ) لقد قررت الرحيل إلى غزّة
ما إن تنتهي أيام الحداد , قل لأخواتكَ أن يتجهزن , وجهّز نفسك أنت ايضاً ..
سلمان : ( يربت على كتفه ) لا ترهق نفسك يا
أبي .. ما تريده سيكون .. أول ما ننتهي من الحداد سنكون جاهزين للرحيل , ولكن عليك أن تحافظ على رباطة جأشك ..
الحاج شكري : ( يبكي بشدّة ) ماذا أفعل , في البدء كان
فارس , ثم أمك , وهاهو محمود يتبعه , لم يتبق لي سواك يا ولدي , لم يتبق لي سواك .
سلمان : الله يرحم الجميع ..
الحاج شكري : ( يبكي )
( في ركن آخر أحد المعزين يتحدث مع آخر )
أحدهم : سمعت أن شاحاك أخذ من الوكالة مبلغ
سبعون ألف شيكل قيمة البيت ..
الآخر : النذل .. لقد إشترى البيت من الحاج بمبلغ
خمسة آلاف ..
أحدهم : ومتى سيغادر الحاج شكري .. ؟
الآخر : لا أدري , ولكن ربما بعد الحداد , لا
أعتقد أنه سيبقى أكثر من ذلك ..
( يدخل شاكر ومحمد ويذهبان للتعزية , ويأخذان سلمان جنباً )
شاكر : أظن أن المواد مراقبة , وأعتقد أنني أيضاً .
سلمان : ماذا تقول ؟
محمد : لا تخف .. فهذا مجرد ظن ..
شاكر : رأيت رجـلاً يحوم حول المكان الذي
أخبئ فيه المواد , وحين رآني رجع بسرعة دون أن يلتفت إليّ .. وقد راينا أنّه من الأفضل لنا التحرّك السريع ..
محمد : لا بد من التحرك بسرعة لإيجاد هدف بديل
سلمان : الهدف موجود ..
محمد : أين ؟
سلمان : ( لشاكر ) هل تستطيع إحضار المواد إلى
هنا الليلة دون أن يكشفك أحد .. ؟
شاكر : أظنُ ذلك .. بلى أستطيع .. سأحاول أن
أتنكّر ..
سلمان : أحضر المواد إلى هنا ,وأنا سأتصّرف ..
شاكر : ولكن .. أين ستكون الضربة ؟
محمد : أليس المكان خطيرٌ هنا ..؟ ربما بعد أيام
سيحضر اليهود للتنقيب عن آثارهم هنا .. ولن يكون .. ( يصمت وكأنّه ينتبه لشيء , ينظر في عين سلمان )
سلمان : ( يبتسم قليلاً ) أجل هذا ما أفكر فيه ..
محمد : لكن أبوك
سلمان : غداً سيغادر ..
محمد : وأنت ؟
سلمان : سأحاول أن أعتذر لأبي في آخر لحظة ,
وأقول أنني سألحق به في غزّة بعد يومين ..
شاكر : ولكن كيف تبات المواد هنا الليلة .. ؟
محمد : إنها خطرة .. قد تنفجر في أيّة لحظة ..
سلمان : لن تنفجر .. سأضعها في غرفة الشهيد
فارس , فلم يدخلها أحد منذ أن إستشهد .. , وستكون بمأمن عن الخطر ..
شاكر : إن نجحنا في ذلك فسيكون هذا صيداً
ثميناً , فعلماء آثار صهاينة تعني خسارة كبيرة لهم ..
محمد : بالإضـافة للجـنود الذين سيحيـطون
الموقع .. على إعتبار أنه موقع اثري ..
سلمان : ولكن علينا أن نفخّخ البيت بكامله بعد
رحيل أبي وقبل وصولهم ..
محمد : لا أظن أنهم سيتأخرون .. في اللحظة التي
يخلو لهم البيت فإنهم سياتون ليعاينوه
شاكر : أرجو أن يكون عددهم كبيراً .
( ينصرف محمد وشاكر في حين يرجع سلمان لتلقي التعازي , وفي ركن آخر أحد المعزين يتحدث مع آخر )
شخص : سيذهبون لغزّة .. أنا متأكد من ذلك .. لا
مكان لهم غيرها , بنات الحاج متزوجات هناك .. ولا بد أنه سيذهب لهنّ ..
شخص : إحساسي أنه سيبقى ولو سكن خيمة ..
شخص : من ؟ الحاج شكري ؟ أبداً .. لا يمكن أن
يعيش هكذا .. طوال عمره وهو رافع خشمه ... فهل سينزله في آخر حياته .. ؟
شخص : لقد أنزله وانتهى الأمر لقد باع البيت ..
شخص : أجل باع البيت .. ولكنّه سيذهب إلى
غزة .. ثم أنه باع البيت مجبراً .. يعني تخيل لو لم يبع البيت .. فماذا كان سيحدث ؟ كان سيأخذ أمتعته غداً أو بعد غد .. ويذهب لغزّة .المسألة في الحالتين منتهية ..
شخص آخر : ( ينظر إليهما بشزر )
الحاج شكري : ( لولده سلمان ) لقد تعبتُ يا ولدي ,
قف أنت هنا وأنا سادخل لأرتاح ..
سلمان : حسناً .. خذ راحتكَ ..
( يتعالى صوت المقرئ من جديد )
( إظلام )
( تفتح الإضاءة تدريجياً على ثلاثة أشباح تتحرك على خشبة المسرح حاملةً صناديق خشبيّة )
سلمان : ( همساً ) هيّا علينا أن نصعدها للغرفة قبل
أن يصحو أبي ..
محمد : حسناً .. إذهب أنت واستكشف الأمر
بينما نحن نحمل الصناديق ( يذهب سلمان )
شاكر : أووف .. إنها ثقيلة جداً , أتظن أن أحداً
قد رآنا ؟
محمد : لا .. لا أظن , لقد كان الظلام حالكاً
ولكنني لم اشعر أبداً بحركة غريبة ..
شاكر : أرجو ذلك ..
محمد : على العموم , العملية الآن تعتمد على
سلمان , وأرجو أن لا يستيقظ أحد الآن فتذهب كل خططنا أدراج الرياح ..
سلمان : ( يدخل ) الجو أمان , هيا قرّبوا الصناديق
( تفتح الإضاءة كاملة , يرفع الثلاثة روؤسهم وينظرون وإذا بالحاج شكري يتطلّعهم باندهاش .. )
الحاج شكري : ماذا تفعل يا سلمان ؟ وما هذه الصناديق
التي بين أيديكم ؟
سلمان : ( بارتباك ) .. إنها .. إنها ..
الحاج شكري : ( يهم بتفتيش الصـناديق ) دعني أرى
( ينظر ما بداخل الصناديق فتبدو الدهشة على وجهه ) ما هذا . ما هذا يا سلمان ؟ ماذا تنوي أن تفعل ؟ .. لا يا ولدي .. لا تفعل هذا بي , لم يبق لي سواك .. لا تفعل هذا بي ..
سلمان : لا يا أبي .. أرجوك .. لا يمكنني التراجع
الآن , عليك أن تبارك لنا هذه العملية .. إننا نقوم بواجبنا تجاه وطننا ..
الحاج شكري : لن أسمح لك بذلك .. لن أسمح لك بأن
تضيّع نفسك ..
سلمان : أنا أجد نفسي ولا أضيعها , فلا تضيّع
أنت تعبنا يا أبي .. لقد بتنا الليالي نخطّط لهذه العملية , بذلنا المال في عزّ حاجتنا له من أجل شراء هذه المواد , لم نعتمد على أحد , ولم نتكّل سوى على الله وعلى إرادتنا , كان الواحد منا يقصّر على نفسه وعلى بيته من أجل أن نشتري هذه المواد , كنّا نعمل طوال أسابيع دون أن يدري أحد , نضطر أن نظل بالجوع حتى لا نصرف قرشاً واحداً من المبلغ , لأننا نعرف أننا نحتاجهُ في شراء هذه المواد يا أبي .. أرجوك لا تضيّع علينا صنعنا , ما هي إلا الليلة وغداً , ثم نقوم بتنفيذ العمليّة ..
الحاج شكري : وأنا .. وأخواتك .. ؟
سلمان : لم أسأل نفسي هذا .. فقد كنت معتمد
على الله وعليك , ولكن سألتُ نفسي .. وفلسطين .. من لها ؟ إن تخليت عنها أنت وأنت .. وهؤلاء الشباب ... من لها ؟
الحاج شكري : يكفيني قدّمت فارس ..
سلمان : وأنا .. ماذا يكفيني ؟ أتكفيني الفرجة على
وطني يُذبح ؟ أن ألتزم الصمت بل والرحيل إن أراد لنا اليهود ذلك ؟ لا يا أبي .. ليس هذا ما أرضاه لنفسي , أو ما يرضاه الله لي , أبي .. أعلم أني الآن لا أستطيع إلا أن أتبع رأيك .. وأعرف كم تحمّل قلبك في الشهور الأخيرة .. فقدان فارس .. مرض أمي ورحيلها .. ثم موت أخي محمود , أعرف أن هذا كلّه يهّد الجبال .. ولكن أرجوك يا أبي ألاّ تحرمني من شرف الدفاع عن هذه الأرض , لا تحرمني من أن أحوّل دمي قطرة من الدواء الذي تشربهُ هذه الأرض لتتعافى من السرطان الذي يجثم على قلبها .. دعني أقوم بواجبي ..
إن الله هيأ لنا فرصة لنقوم بعملية جديرة بالتضحية , وأنت تعرف كم تحتاج هذه الأرض من التضحيات , إن شرف القدس يا أبي يُنتهك يوماً بعد يوم , ووقوفنا هنا نتفرّج كل منا يعتمد أن يقوم الآخر بكل الواجب يجعل الصهاينة يتمادون , وتفتح شهيتهم أكثر للدماء ..
الحاج شكري : لكن يا ولدي . هل تعتقد أن عملية كالتي
ستقومون بها ستجعل الصهاينة يرحلون .. أنت واهم يا ولدي ..
سلمان : أكون حقاً واهماً لو قلت لك ذلك ..
ولكن هل يعني هذا أن نرضخ لهم , ليفعلوا بنا ما يشاؤن ؟ يهجّرونا .. يرحلونا .. مرة بعد مرة ؟ لا .. إن واجبنا اليوم أن لا ندع لهم الفرصة لذلك .. أن نثبت لهم أن هذه الأرض لها أبناؤها الذين يدافعون عنها , واجبنا ان لاندعهم يرتاحون ويأمنون .. لأنهم أول ما يشعروا بالراحة سيبدأون بالتنكيل بنا .. لا , علينا أن نجعل إسرائيل تتلفت دائماً وراء ظهرها وبذلك , فحتى لو لم نستطع نحن أن نطردهم فإن هذا سيتيح للأجيال القادمة أن تجد وسائل أنجع لطردهم من هذه الأرض ..
محمد : يا عم .. يجب علينا أن نعمل .. كلنا ..
وما النصر إلا من عند الله ..
الحاج شكري : صعب علي أن أبارك لكم يا أولادي ..
ولكن كلمة الحق تُقال .. أشهد أنكِ حيّة يا فلسطين بل وتنبضين بالحياة .. أشهد أن عروقكِ تنضح دماً ولا تجفّ إلا على ترابك , إتكل على الله يا ولدي , قلبي معك , أما أنا فأمري لله ..
شاكر : ( لسلمان ) إذن .. لا داعي لأن نؤجل
العمل .. ؟
سلمان : الآن .. فربما يأتون في الصباح ..
( إظلام )
المشهد السابع :
( تفتح الإضاءة تدريجياً .. المكان مزحوم باليهود .. شاحاك وزميليه .. وآخرون )
المدير : ( يقف في وسط المسرح يتأمل المبنى حاملاً
هاتفه النقّال ويتحدث بينما شاحاك يقف على يمينه وهو يحمل خارطة ) ومتى سيصل عمّال التنقيب ؟ أريدهم بأقصى سرعة .. يعتقد العلماء هنا أنّهم قد يجدون آثاراً تدل على وجود اليهود في القدس قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة , والبروفسور بنعامي يؤكد أن هذا البيت كان معبداً يهودياً إلتجأ إليه الناس أيام السبي البابلي , قد نجد بعض الآثار المهمة , المهم أن نبدأ عمليات التنقيب بأقصى سرعة , إلى اللقاء ( يغلق الهاتف , يتأمل شاحاك ) ها .. ماذا وجدتم ؟
شاحاك : لم نبدأ بعد .. فعلماء الخرائط لم يصلوا
بعد , والبروفيسور بنعامي يقول أن علينا أن ننتظر ولا نحرّك شيئاً قبل وصوله ..
المدير : معهُ حق .. إنتظروا حتى وصوله ( يأخذه
جانباً ) ماذا فعلت بخصوص التعويض ؟
شاحاك : حقك محفوظ .. لو رأيت يا سيدي كيف
خرج الحاج شكري من هنا .. كان يبكي وولدهُ سلمان يزمجر من وراءه .. ( يضحك )
المدير : مجانين .. أيظنون أننا سنسمح لهم بالعيش
معنا ؟ لابد أن يهجّر كل من هو ليس بصهيوني عن تراب إسرائيل .
شاحاك : أجل سيدي .. ( يدخل أحد الموظفين
ويقترب من المدير )
الموظف : لقد وصل عمّال التنقيب ..
المدير : دعهم يدخلون هنا .. ولا تسمح لهم
بالعمل حتى يصل البروفيسير ..
الموظف : حاضر سيدي ( يخرج )
شاحاك : أتريد أن أحوّل المبلغ على حسابك في
البنك أم أنك تريد المبلغ كاش كالمعتاد يا سيدي ؟
المدير : لا حوّلهُ على حسابي .. ولكن أحضر لي
عشرة آلاف كاش ..
شاحاك : حسناً
المدير : هل رحل الحاج شكري لغزّة ؟
شاحاك : لا .. بل إلتجأ لبيت أحد أصدقائهُ هنا
على حدود القدس ..
المدير : ( مندهشاً ) ماذا .. لماذا ؟
شاحاك : يبدو أنهُ فقد عقله .. يقول انه لا يستطيع
العيش خارج القدس .. يبدو أن موت اولاده وزوجته .. أثّر عليه ..
المدير : لكنه في بادئ الأمر كان ينوي الرحيل
لغزّة .. !
شاحاك : لقد غيّر رأيه ..
المدير : ولماذا ؟
شاحاك : لا أدري .. قلـت لك .. ربمـا فقدهُ
لولده .. أجنه ..
المدير : أشمّ رائحة غريبة في هذه القصة
شاحاك : لا غريبة ولا شيء . هؤلاء الفلسطينيين ..
ألا ترى كيف يرضون أن يعيشوا في خيام على حدود القدس فقط ليروا الأقصى .. وقبّة الصخرة ..
المدير : قريباً .. لن يستطيعوا أن يروه .. سندّمرهُ
لهم .. لنقيم هيكلنا عليه ..
شاحاك : نعم يا سيدي .. ( ينهمك كل منهما في
عمله في حين يأتي زميلي شاحاك ويقتربان منه )
الأول : إسمع يا شاحاك . إسمع ما يقولهُ عزرا ..
الثاني : هناك صيد آخر .. ولكن بطريقة ثانية ..
شاحاك : ماذا تقصد ..
الثاني : هناك فلسطيني ..
شاحاك : ( يقاطعه ) دع الموضوع الآن , نسمع
الأمر ونتفق في البيت , ليس هذا وقتها .. تعالا عند الساعة الثالثة .. ( ينظر للمدير , فيفهمان انه لا يريده أن يسمع , يبتسم الجميع ويبتعدان عنه ) .
( يدخل شخص يلبس النظارات , سمين , في العقد السادس من عمره يقف ليتأمّل )
شاحاك : ( يلتفـت إلـيه ) أهلاً .. أهلاً ..
بروفيسور ..
المدير : ( يلتفت هو الآخر ) أهلاً بروفيسير بنعامي
شاحاك : ( للجميع ) فليستعد الجميع .. لقد وصل
البروفيسور .. سنبدا العمل في غضون دقائق ..
البروفيسير : لا .. لا .. أولاً سألقي نظرة فاحصة
على البيت ..
المدير : تفضّل ..
شاحاك : فليستعد الجميع .. هل كل شيء على ما
يرام .. إفحصوا اجهزتكم , فالبروفيسور مشغول ولا نريد أن نؤخره في العمل , هيّا تفضل يا بروفيسور ( صوت إنفجار قوي , الإضاءة الحمراء تشي بالدم , الجثث اليهودية تتطاير , تتساقط على الأرض , صراخ .. عويل , أصوات سيارات إسعاف , بكاء , عدو لكل الإتجاهات .. )
الحاج شكري : ( صوته فقط ) هذا البيت بيت فلسطيني ,
ورثته عن أبي , الذي ورثهُ عن جدّه .. لن تجدوا تحته أيّة آثار يهودية , ولكن ستجدون آثار تدل علينا .. أكواب الماء التي شرب منها أجدادي , أواني الطعام التي طهت فيها جدّاتنا .. وربما تجدون المشط العاجي الذي كانت جدتي الآرامية تسّرح به شعرها , أو رفشاً مؤابياً كان أجدادي يعملون به في الحقل ..
ولكن لن تجدوا معبدكم هنا ..
هنا تحت هذا البيت لن تجدوا إلا أصابع فلسطينية تتهمكم .. وفوقهُ لن تجدوا إلا أجساداً فلسطينيةً تعبئ نفسها بالبارود لتنفجر بكم ...
( تتواصل صيحات البكاء وسيارات الإسعاف )
( إظلام )
دع كلَّ شيءٍ واقفاً
دعْ كلَّ ما ينهارُ منهاراً
ولا تقرأ عليهم
أيّ شيءٍ من كتابِكْ
وآخرُ من يموت
إنجيلُ أعدائي , وتوراةُ الوصايا اليائسة
كُتِبتْ على جسدي
أنا ألفٌ وباءٌ في كتاب الرسم ,
يشبهني ويقتلني سواي
كل الشعوب تعوّدت أن تدفنَ الموتى بأضلاعي
وتبني معبداً فيها ..
..
وترحلُ عن ثراي
محمود درويش
مديح الظل العالي 1983
رجلاها المبلّلتانِ تنزلِقانِ دعِ الوسادةَ تولمُ الرؤيا كطفلٍ ينفضُ الطَيَرانَ عن كتفيه ساعتُها توسوسُ للنهارِ لا تصحو , ولا يصحو النهارُ ظلامُها شبحٌ يخفّفُ حدّةَ الأشياءِ بالإيهامِ 
وردُها طعنُ التشفّي نفسَهُ بالسحر
مشيتُها الكناية
حين يلتئم المثنّى بالمثنّى
نومُها مُهرٌ
ويا للمهر
يمضغُ وردةَ النهدين
ينقضُ ثوبَها عَرَقُ المعاني
يسقطُ التفّاحُ مغشيّاً
يرنُّ الأصفرُ الذهبيُّ
من تحتِ الغطاءِ
..
تموءُ طاولةُ التبرُّجِ
أنحني لأردَّ للرّمانِ أحمرَهُ .. أُضيءُ
- دعاني هاجسٌ -
فرجعتُ
ما هذا التثاؤبُ ؟
نرجسٌ يهذي ؟ أكاهنةٌ تُعلِّمُ ليلَها لغةً ؟
قلتُ :
خذِ النهايةَ من أصابِعِها .. وعدتُ أضيءُ
- " تعالَ أحرقني , تلذّذ بي .. تعالَ
تعالَ .. "
ولا أنا فكرّتُ في قلبِ الغطاءِ
(حديقةٌ بيضاءُ ) , تنهضُ ربوتانِ صغيرتانِ
تُشاغبانِ الوردَ , تلمعُ نظرَةُ المرآةِ ,
تسقطُ قطةٌ أخرى , وتنهضُ ربوةٌ أخرى ,
وعدتُ أضيءُ .. أنهضُ , أنحني , لا أنحني لأردّ للرمانِ ..
بل لأردّ لي بعضَ الهدوءِ .. !!
..
والإيهامُ سُلّمها الأخيرِ
وطرقُها فوقَ الظلامِ ببحّةِ الفوضى
كلامُ السائرينَ على سراطِ النومِ
وتُغمِضُ فيّ رعشتها
وتبتسمُ الرسولةُ
في قميصِ النومِ ,
يبتسمُ الجنون

إن هذا دمُ ملء هذا الدم المتخفّي بعندمهِ سائلاً كل من مرّ بين اختصارين فآب إلى صمتِهِ , أو نظنُّ وكنتُ أراهُ هنا غيمةٌ حين عدتَ سريعاً لليمونها ؟ - إلى أين تمضي إلى أين نمضي دعس أقدامهم فوق بطحاء قلبي قالَ : - أيا صاحب السجن لي هذا الركام الخبيث أين خبأت يا قلب بابكَ ؟ للقلب بابين - إذن وبابانِ لا يكفيان وحيدٌ على صفحةٍ أرتدي وطناً رقّعتهُ ندوبُ الزنازينِ لم يعبدوني .. وبعض ضلالةِ الكبريت 
لا يزال ويقطر
فوق صرير فؤادي
فؤادي الذي كنتُ خبأتهُ
في عباءةِ سيدةٍ
بحثت في تواريخها مرّةً
عن بكاءٍ يُلامس وحدتها
عزلةٌ حائلة
ملؤهُ أنّةُ العجز هذا الدمُ ..
ويعود سريعاً لتكوينهِ
لا حياءً
ولكنه أدركَ الضوء
مندلعاً من عشى الأقبية
فعادَ إلى نرجسٍ باردٍ
لا يعلّق صورتهُ الآدمية
في صدرهِ
بل يعلّق تفاحةً عالية
فوق شبهِ صلاةٍ بكفيه
لم يرج غيبتهُ فيَّ لكنه يمتحنها
بهذا الرحيل البسيط
عن فراشته الحانية
عن نهود الغياب المجافي
وعن وطنٍ أبكمٍ
أغرقت فمهُ حين أدرك
سر الكلام الذي لا يؤول في وجههِ
دمعتين
فها هو ذا خلف نافذةٍ يبسمُ ..
التفتُّ إليهِ فأعرض حين تماهت على نفسها الأسئلة
وراح يحدّقُ في شاطئٍ مهملٍ
ويقلّب أولى حماماتهِ
بيدينِ طفوليتين
وقال: " أتذكر عرسي .. ؟ "
وقد حمّلتهُ السماءُ ابتهالاً طفيفاً
على وجنتيهِ
وما بين كأسين مرّ على عجلٍ
خمرةً عتّقتها يد المطل
لولا دمٌ سالَ من شفتيهِ
لبادرتُهُ بالوضوء
- أيا صاحب السجن
لي فيكَ ما فيّ من رؤيةٍ
ونحيب
خبتت حين أسكتّ هذا الهديل
هنا امرأةٌ من بريقِ النجومِ
يساورها الشكُّ فيكَ
تنامُ على ضجر الخوف
هل أشعلتكَ على طرف الوقتِ
إذ أفرغت خوفَها
ولكَ الوجدُ
- كن عاجزاً
أو نبياً يرفّ صليبٌ بجفنيهِ
حرباً تعالج جرحاً تغوّر
أو محجناً بدوياً تكلّمهُ عين أنثى
وكن ما أرادت لك الثاكلات
اللواتي يرقّعنَ أصواتهن
بسدر الفجيعةِ في ضحوها
أن تكون

- " على حينِ فاجعةٍ
أغمضَ الليل قلبي
وأسمل تنهيدةً علقت في ضلوعي
ومسّد وجهي بموتٍ حنون "
بهذا الرثاء المديد ..
إلى أين يحملنا الموت
يا أيها الموتُ
كن عاجلاً ورحيماً كهذا الجنون ..
اختمرنا برائحةِ الذلّ
ها أنتَ سُكرٌ
وأقداحنا شهداء
وعن شجر الليل
لا يسقط الميّتونَ لأن الخريفَ ..
ولكنهم
مثل كل الذين يموتون
.. لكنهم يسقطون !
الآن موتى يعبرون بصمتهم مدناً
وموتى يعبروني في خشوع
ولحدّ هذا الموت فاجعةً
لحدّي ألكنا
شعثاً يجيئون التراب
هناكَ مملكةٌ ترقِّصها قطاةٌ
أيها الآنَ الذي ينسلّ
من موتٍ إلى موتٍ
ومن جوعٍ لجوع ..
أخفت سراجكَ
ربما تغوي ثعالب نومِهم
لا تركضِ , الأقمارُ
في قدميكَ باردةً
وتعبر حين تعبر من قفاها الأزمنة
هل جفّ هذا الموت
أنتم أم أنا ..
لا أسرج الموتى
ولا أطأ الظنون
فالآن موتى يعبرون
حييٌّ ....
كأن جناحاً تحسّس هذا الهواء
الذي علقت بعض أطرافِهِ في خوافيهِ
وقد شرّقت نحوهُ لغة تشتهيه
فقبّلها وأتمّ الكلام
- " أراهم يعودونَ موتى
فلا أبصر الموت ملتفعاً رايةً بينهم
وأخشى عليهم وأخشى عليّ
هذا دمٌ يقبر المدنَ الشربت سكرها
أين صحوةُ أنثى
تديرُ كؤوساً
نفوساً
رؤوساً
لأطفحَ فوق الزنابقِ
أستلّ عشقَ سنونوةٍ
من جماجم ملقاةُ في عبثٍ "
يسمّونه النفس
لكنّهُ حين يسقطُ ما بين فخذيَّ
يسقطني في جنون
..
أحدّقُ في كَسرةِ النورِ ما بين عينيه
في دمعةٍ تترقرقُ
نفسي التي بين جنبيّ
نفسي يخون الكلام
قليلاً
فأشهقُ
قد تطرق الساعةُ الآن بابي
لتأخذ من وجعي جذوةً
بابٌ يصدّ الرصاصةَ
عن حَفرةِ النار في اللحم
بابٌ ليدخل ليلٌ حزينْ
ليكن ذلك اللحن
أبطأ من جسدٍ ليّن
كل ثانيتينِ
ويخلع سترتهُ
فالموسيقى تلامس ما لا تراهُ
لتكشف عن نفسِها
بينما نتلامس نحنُ
لنكتشف الآخرين
ولا يكفيان
لإنضاجِ حزنٍ
بدايتهُ رعشةٌ في الحروفِ
وآخرهُ عطشٌ لا يضرّ ..
وكم قلتُ يكفي
إذا أفلتت ظبيةٌ
من براثنِ صيّادِها الوقتُ
أن أشتهيها فأوردها نحلةَ الشكِّ
- يا صاحب السجن
أحبو على وجهكَ الآن
هبني رفضتُ تقمّص وجهي القديم
وهبني جلستٌ على حائطِ الليلِ
أبكي تقشّر روحي
وهبني ذُعرتُ من اسمي المذيّلِ بالياء يوماً
فأخفيتُ يائي بقفطانِ شيخٍ ضرير
ألا أستحقُّ
أنا البدوي الفقيرُ المكدّس في ظهر ناقة
خريفاً وثيراً لأفرشهُ
تحت ساقيّ بعد الدمار الأخير ...
....
قمرٌ يابسٌ في سماءٍ مهلهلةٍ
لا أحدٌ يرتديني لأدفأ
كل المرافئ حين أمرّ تنكسّ أبصارها
وأعضّ على جسدي
فلا بحر يسكن وجهي مساءاً
ولا ظل أنثى يخاصرني حين يرتبك الراقصون
ولا ساعةٌ تشتكيني لأمي
إذا ما تأخرت عن سمرتي
عارياً
أطرق الروح مني وممن سواي
فهذا دمٌ شابَهَ السوط
هذا دمٌ شابَهُ عتهُ الأنبياء
يفورُ
فيصبغُ قلباً صغيراً
تكلّس بالإنتظار ..
فيبهت لون صلاةِ العبيد
لأرجعَ منحسراً عن حواشي القصيد
وأصطادُ من خيلِ موتاي أصغرها
ثم أطلقها صرخةً في المدى
صيحةً في الفصول / الحديد ..
وسواي لا موتى سواي
ولا سواكَ برغمِ موتكَ
( صاحبَ السجنِ )
الحجارةُ ملءُ ساقي
ها أنا وثنٌ بعصرِ الأنبياءِ
وأنتَ تمرُ نبوءتي
رغم أني كنتُ من عِرقِ الرُّخامِ ..
فصلِّ بعض هنيهةٍ
كي أستعيدَ غوايتي الأولى
حين [ أخضُّ ] ذاكرتي
فأسمعُ رنّة الخلخال
أو زرد القيود
فلا قرابينٌ تُقدَّمُ لي
إذا حجّ العبيدُ
سواي َ
لا موتى سوايَ
ولا سواكْ
....
وليدانِ بين المدينةِ والنجفِ ووجهاهما للهِ درهما , يطوفانِ بالبيتِ / يطيرانِ عن أسفلِ الريحِ وتمرهما أحمرٌ / لا يدّسانِ فيهِ دموعاً بسمِ ذينِ الوليدينِ في أولِ الكائناتْ للسماءِ مدامعها , ولكم حزنكم , و لذينِ الوليدينِ يطيرانِ في أولِ الخفّةِ / وليدانِ يبتهلانِ يسيرانِ بينَ نخيلِ المدينةِ والكوفةِ , كمْ كان هذا الهوينى سريعاً , قالا : وصّدت عن الأرض غفلتها , اعشوشبَ البيدرُ النائمُ ما كانَ خبزاً وماءً حديثهما , كانَ قمحاً , وقوسَ قُزح وليدانِ بين المدينةِ / وليدانِ كانا يسيرانِ ذانِ الوليدانِ فاتحةٌ للجهاتْ بسمِ ذينِ الوليدينِ , 
زورقانِ يسيرانِ في سعةِ الماءِ
عمراهما تلعتانِ من الصُدفِ
تُكللُّ روحيهِما
أعينٌ من سؤالِ العصافيرِ
عن منبعِ الماءِ
تغريهما حدّةُ العشقِ
ذانِ الوليدانِ ,
موجتانِ إلهيتانِ
و خيطانِ من فجرهِ المورِفِ
حوارهما أمسِ أطربني /
عندما أورقَ القبو
ظلّل شطآنهُ
ولعسكَرَ وجّهَ سوسَنهُ بابتسامْ
وليدانِ
يستترانِ عن اللفظِ ,
بسمِ الذي دبّر النورَ
كي يُنهِكَ الظُلُماتْ ,
وبسمِ الوليدينِ في زمزمٍ والفراتْ
بيضاءُ هذي الغمامةُ فوقَهما
كجناحِ رسولٍ من الطينِ ,
ما وصلا عند قبرِ محمدَ
حتى أطلّ من القبرِ
يدعوهما للصلاةْ .
يبتسمانِ بلا شفةٍ , أو سماءْ
سوى تلكَ
أمُّ الشهيدِ , لتجعلَهُ مالحاً في يدِ الله , يأتيهما طائعاً
بسمِ من سخّر الجسدَ / العبوةَ / الملحَ / والحافلاتْ
أن يسخرا من غبارِ الجياد الكسيحةِ تفزعنا ,
ولنا أن نصّدقَ بعضَ الكلامْ
وليدانِ , بينَ انكسارينِ
عيناهما سلتّانِ من الزعترِ الجبلي
وتشهقُ مثلَ النوارسِ تترى
على شفقِ البحرِ مسترسِلاتْ
العشقُ يجلوهما
أصفَرينِ
تَناجيهُما واضحٌ /
ها هنا اتّضحَت
قافياتٍ من الجصّ تعلوهما ,
واضحانِ
فتندفُ أجسادنا جاذبيتها
مثلَ حضنِ الصلاة
تكوّرَ محرابُ حزنِهما
فيهِ يسترجعانِ الترابَ
المغمّسَ بالدمِ
بل غامضان
ابتهالهما / الأسطحِ الدامعاتْ
اثنانِ ,
خطّانِ ,
و يستقطرانِ من الأرضِ
عطراً
يسيرانِ , بعضَ صهيلٍ حذِرْ
أمامهما أخضرٌ كانَ هذا المساءُ ,
وفاكهةُ الجسدِ المتخمّرِ بالدمِ خضراء
صوتُ الأذانِ الذي يتهادى بذيلِهما كانَ أخضرَ ,
حتى نساءُ المدينةِ تسترقُ النظراتِ
و تزرعُ دربهما ببنفسجٍ اخضرَ / خضراءُ ,
هذا الحوارُ الإماميُّ بينهما
كانَ شلاّلَ زهرٍ تدفّقَ ,
ذانِ الوليدانِ يأتسرانِ القلوبَ سماويةً
أخضرانِ يسيرانِ
بسمِ الذي جعل النور في كوّةِ الشمسِ أخضرَ
فاختصَرَ الكلماتْ
بسمِ ذينِ الوليدينِ
من مخملِ العرشِ
في جنّةِ الوَجَنات .
دافقٌ
نبضُ تلكَ الحروفِ التي
اتخذت حَسَكَ الأرضِ
سجّادةً ,
دافقٌ
يتسرّبُ في فمِ ماء الفراتْ /
والفراتُ الذي كان دمعَ النبيينَ
حفَّهُما بالتلاواتِ ,
رقرقَ أبنائهُ ماء وردٍ بكفيهِما ,
زفّةٌ أتقنتها ملائكةُ الأرض ,
أكثرَ من أيِّ شيءٍ
يسيرانِ في خفّةٍ
فوق فوهّة المدفعِ المتأهبِ ,
الآنَ , ...
كانَ حديثهما واضحٌ
لم تشِبهُ روايةُ أيّامِنا
والنجفُ اثائبت
في هدوءٍ وغطّت
ببردتها ( الصدر )
واستيقظت كي تجهّزَ إفطارَ أبنائها النائمينَ .
تلفظُ روحيهِما حبقاً
يذرعُ الأرضَ ,
مسّت أصابِعْهُما وشَقَاً
فأصارتهُ سنبلةً
وغريبانِ في قومِ نيرونِ
كانا غريبينِ
إلا من الرفرفاتِ ,
غريبانِ
ينتظرانِ غريباً
على حافّةِ الساعةِ الليلكيةِ
إذ يفرشان له دربَهُ بالرياحينِ
كانا لَهُ / شفقاً يتأتّى بهِ الفجرُ
بسم هذا الهواءِ الذي
يتقطّرُ من فجوةِ الدمِ
يخرجُ من رئةِ الزفرات
بسمِ الذي
خاضعاتٍ لهُ
هذهِ الصهواتْ .
حزمَ السماءَ , وأودَعَ الشهداءَ في أقمارِ غزّةَ . وابتسم .. حافٍ .. تجلّلهُ يدٌ بيضاءَ , أطرَقَ لحظةً .. ومضى إلى أعمالِهِ الأخرى بناصيةِ القيامةِ لم يوّدعْ سجنَهُ أو نكهةَ القتلى بشارِعِ قتلِهِ , فهناكَ ينتظرُ الصديقُ صديقَهُ الآتي من الإسفلت .. أو من طلقَةِ الطرقاتِ أو من عندَمِ الأعداءِ أو من صرخةٍ تندسُّ بين جبينِهِ وعويلُ امرأة يبّكتها العدم . عش ما استطعتَ , كغابةٍ مشقوقةٍ من نصفها , تمشي الذئابُ بحدسها الوحشي في أحراشها , عش ما استطعتَ , وأنتَ عِش حجراً تدحرج من أصابعهِ السقوط , مزجتَ ماء الشمس في قدحٍ , أدرت الروحَ للندماءِ واستيقظتَ . لم تتركْ لهم عُمراً , يدفّئُ ما تبقّى من غرائزهم , فقط أحنيتَ ظلّكَ كالهلالِ , دعكتَ عينكَ بالنحاسِ , أشرتَ ناحيةَ الجنونِ بخنصرٍ , وفرشتَ في طرقٍ مفاتنَ موتكَ , الكأسَ التي تبكي , السماءَ مسحتَها بالآسِ والليمونِ , غزّةَ قلتَها في كلمتينِ .. وزغردَت بالبابِ ليسَ وداعها أو مقتَلَكْ الساعةٌ : الآنَ أطرافُ السباتِ ثقيلةٌ بالروح , والآن الحديد يناجزُ الأسماء , والآن الأباتشي تستريحُ على يدي طفلٍ , وتعرقُ مائها الكحليّ في صحن الحساء , وغزّةَ اسمٌ واحدٌ , ووجوهُ قتلى يربطونَ الليلَ يا نيسان بالجثث الشهيدةِ , فالربيعُ هنا يفّتحُ زهرَهُ جثثاً .. ستمضي نحو عفّتكَ الخبيئةَ , أو ستصقلُ موتكَ المبحوحَ بالنهرِ الذي عمّدتهُ , تتماشيانِ على شفا حربٍ , وكلٌّ يرمقُ الثاني بنظرتهِ الغريبةَ , تهمسانِ ويسمعُ الإنسانُ سرّاً لا يُباحُ بغيرِ خمرٍ , يكرعُ الكأسَ الشريفةَ نفحةً , تتقابلانِ .. 
" لهما "
- هل نسيت ؟
- أنا أيضاً ..
الساعةُ :
الآنَ فوضى مروحية ..
وهديرُ دَمْ .
ليلٌ كأنكِ غزةَ الليلُ , لا شمسَ تفتحهُ سوى القَتلُ . فلتخرجِ الكلماتُ عن صمتٍ, فليخرجِ الأهلُ عن أهلهم فليخرجِ الفُلُّ عن وهمهِ وليرتدي الوحلُ عبواتِهِ , وليصمتِ الكلُّ , وليصمتِ الكلُّ .
..
فالشارعُ
الآنَ
مبتلُّ .
...
نيسان محضُ عباءةٍ مكنوزةٍ بالريحِ , والأشياءُ عالقةٌ بذاكرةٍ سواها , بين أطفالٍ نسوا حَلَماتهم وتدافعوا للأزرقِ المخضلِّ ترفلُ فيهِ حبلى , داعبتهم مرةً , وتنافرت معهم , و شيبانٌ هناكَ يجرّبون على السنونو حكمة المُفتاح , هذانِ اللذانِ رأيتُ في حلمي , رأيتكَ أنتَ عارٍ منكَ , تسحبُ وهمَ اسمك نحو خيماتٍ مؤججةٍ بنا , وتضيعُ فينا , كلنا جهةٌ وأنتَ شربتَ , هل عطشاً شربتَ ؟ شربتَ من مرضٍ ولم يحللكَ جنيُّ النعاس , ولم يعرّش فيكَ يا نيسانُ جنيٌّ فنَم..
الساعةُ :
ندمٌ سيأكله الندم
قتلى يعبرون على قميصكَ سجّداً , ويرتّلونَ مذابحاً تأتي , وآياتٍ تلمّكَ في نوافذ حضنها .. وتموتُ , فاكسر هذه الأضلاع كي تتبصّر الموتى بعطر القلب , وارحم دهشةً تغتالُ بُطأ اللوز , ..
وارحم ما تبقّى من يباسٍ في مفاصلِ أمك السَكرى , فما زال الحليب بشعرها المبيّض , يمشي مُحبطاً , متخثّراً بالأمس .. فاقنت خاشعاً بيدينِ عكّازين , تُسّاقِط عليكَ " على سجيتها " ( الأباتشي ) شهوةً , ويفور في رجليكَ يا هذا الذي من لكنة الموتى .. لَغَم ..
الساعةُ :
جيشٌ يحارب نفسَهُ
لا .. ما انهزمتَ أمام لغزِ
مديحهِ يوماً
ولا هو في حقيقتكَ انهزم ..
..
هل هذه الأبواب تضحكُ في سريرتها , لتخفي وقع أقدام المريدين الذين تنبّهوا للكحل في عين الحصانِ , أم انها تبكي لتقلعَ نجمةَ المصباح ؟
هذا الذي أعطيتَهُ
طفلٌ يفتّشُ عن طفولتهِ بأثوابِ الملوكِ
خلعتَ عمركَ عند قِمّتهم ,
أشارَ عليكَ وابتسمَ المَلَكْ :
هي قمّةٌ أخرى مؤجّلةٌ ستتبعها قِمم
..
جسدُ القتيلِ
يرفُّ فوقَ
دمائهِ الحبلى .. عَلَم ..
الآنَ ليسَ سدىً وليس هويّةً
والآنَ ليس عصىً وليسَ عمىً
وليسَ تجاذباً للموتِ , ليسَ هوايةًَ
هذا الذي ينتابُكَ , الآنَ اختيارٌ واضحٌ
كشفٌ جميلٌ , زهرةُ الإشراقِ , شيءٌ مفعمٌ باللغز , ليس تخبطاً , وتخبطٌ نهِمٌ , وليس غوايةً , وغوايةٌ عدَمٌ , وليس نهايةً , ونهايةٌ أمَمٌ , وليس تسلسلاً , وتسلسلٌ نَغَمٌ ,
وليسَ سوى الهواءُ إذا تسرّبَ في صليلِ الماءِ
يفتحُ للخواصِ ليقتفوا نَفَساً أَعَمْ ..
فالساعةُ :
ماءٌ بقافيةِ المدينةِ يضطرم ..
◄ هناك في الماضي (مع ملف صوتي) ◄ سؤال يعبر الآن (مع ملف صوتي) ◄ يلغوان ببعض (مع ملف صوتي)
لا تقصص رؤياك كلما انتصبت في يدي امرأةٌ و يُدخلُ المساء أبلغي القمرين ِ اللذينِ ينامانِ في دعةٍ أباركَهُ الله شوقي إليكِ تباركتِ من وردةٍ أفزعتني لشِعرٍ بعينيكِ أرخى بكارَتهُ يا نبوغَ الزهرةِ الأولى بروحي أتزمّلُ الهذيان عيناكِ بسملةُ القصيدة لولا غرامكِ برعمت آياتهُ في كفِّ عمري يا مملكة التوت البري هل لحبكِ هذا حدود الجنونُ إذا بين عينيكِ الجنونُ الجنونُ أحبّكِ ولا أدّعي إذ أقولُ أحبّكِ ولا أدّعي إذ أقولُ أحبّكِ أحبّكِ 
أوقعوني في
الجُبِّ
واتّهموا الكلمة
تبصُّر
يديهُ في عينيّ
حتى أبصر الأشياء
مساحةً
لرسم وجهكِ المضاء
بزيتِ عمرٍ طيّبٍ .. مُباركٍ
يمزجهُ بقهوةِ السماء
جنٌ.. وأنبياء
تكوير
فوق صدركِ عني سلامي ...
واذكريني .. ونامي ..
نهد
فصارَ احتجاجاً على الجاذبية ؟
أباركهُ الله شوقي إليكِ
فصارَ إلهاً
يُفتّش في وجلي عن هويّة ..
كما أفزعَ النهدُ مُنتبهاً للنموّ صبية ..
حصار
في دهاءٍ على شفتيّ ونام
أصلي
فيغرز منقارَهُ في ضلوعي
صوتُ اليمام ..
جرحٌ بخاصرة المعاني
دهشتي الكبرى
اضطجاعَ الخوف في ذاتي
وتسبيح فحيحي
أبداً لم أتعمّد
أن أعرّي نصبَ عينيكِ
جروحي
وهما جناحا جبرئيل
ينوس حول اقرأ
أنا الأميُّ
أنهض من مغاراتي
لأقرأ في مسامع أمتي شعراً
شريعتي الجديدة
خُزامى
و ترشرشت شعراً خُزاماهُ
على صوّان صخري
لضربتُ في الصحراء ذاكرتي
وأضرمتُ السكوت
برحم ثغري
خَدَر
بخاصرة الصيف
ويا ظل النخلة في حضن العذراء
..
من يدري أكثر مني
[ أنتِ ..
ومن غيركِ ساحلُ هذا الإغماء .. ؟ ]
تكوّن
كيف يبدأ .. لا ينتهي
يتنامى / يعود
كيف يقفز في الماء حولي
ويسقط مع ورق اللوز
ينهض كالشمس
تمطر تهليلةً
تحفر الأرض
تُزجي سلاماً
لأهل اللحود
هل لحبكِ هذا حدود ؟
كيف يخرج من قفص اللغة الحائرة
طائراً يتماهى جناحاه مع أفق الذاكرة
ونبيّاً يبّشر بالنار في الآخرة
وفتاةً تُداري على مضضٍ
حمرةً تتلألأ فوق الخدود ..
هل لحبكِ هذا
حدود .. ؟
توصيف
ربّيتُ ظلّي
ولم أعطِهِ قمراً ليدافعَ عن نفسِهِ
توصيف آخر
توّقف نورسُ صيفٍ طفولي
عن أغنيات السفر
إذا لم أرتّب
على ناهديكِ
كلامَ البشر ..
سكرة
لا أدّعي إذ أقولُ أحبّكِ
أني اخترعتُ سماءاً تُنظّفُ فستانها الليلكي
على أضلعي
أني غويتُ البلاغةَ فاستيقظت
كي ترى نفسها امرأةً عارية
تتلفلفُ من خجلٍ بالملاءاتِ في مخدعي
أني سرقتُ من الله ليلاً جناحيهُ
ثم تركتُ لهُ وجعي
يكفي إذا قلتُ أني أحبّكِ
يكفي .. ولا أدّعي
ولو نصفَ وجهٍ أضيئوا لروحي في هذه العتمةِ الدائريةِ أحقاً تكحلتِ من مطري ( يا تُرابي ) وعصفورةٌ للمواسم زنزانتي , وعمايَ جريحُ ستؤنسني إن تخلّيتِ عني ضفائرُ قضبانها يكذّبُ هذا الظلامُ ظنوني تلوّت لتعلنَ عني أنا صيرفيُّ الهموم أنا ذا المعلَّق بيني وبيني على شكلِ جوزاء تعمّدتُ بالانحناء فقوّس قلبي و لا ينبغي الشعر لي ظلامٌ يجوسُ بجدرانِ عينيَّ تنفسّتُ من رئةِ الحمأ الآدميِّ فحتّام /َ حتّامَ لعلّكِ أخطأتِ حين تركتِ يديّ مغاراتُ طيّعةُ الانحناء تُتأتئُ : 
ضوءٌ شحيحُ
ألا حدّ مما يعّد هنا
< كل هذا الظلام لتبلغَ روحي نشوتها ؟ >
أطفئوني إذن واستريحوا ..
فلِم لم تَرَي بعد عينٍ غيابي
حين يجدلها العودُ
شيخٌ يدندنُ أشجانَهُ
حطَّ شمعٌ على نقفِ أوتارِهِ
فأقامَ الصلاةَ ..... فُرادى
مَقامٌ صحيحُ
فلو لم أكن أستحّقُ لما متِّ دوني
ولو لم أكن أستحّقُ لما أعدموني
على بابِ فزّاعةِ الشعرِ و افترشوني
جزيرةَ زيتٍ
لدى عثرةٍ و تسيحُ
أنا الفارُّ من نهوند على ظهرِ أسري
المُقاتَلُ بين الخرائبِ
بالضغطِ
لم أنفجر
فراشةُ هذا الظلامِ المكدّسِ
هذا الظلامِ الملامسِ للأخمص
استفقدت
وبوعيٍ سأخبطُ فوقكِ
حتى أراني إلى ركبةِ الدمِ غصتُ
مدّوا لرأسيَّ صنّارةً واحدة
فاشهدي يا سمائي عليهم
و لا تفضحيني
( أنا نصفُ شعبان
بيني وبيني
مجيءٌ قبيحُ )
وغارت وصيفات حلقي
أطشّر أسئلتي للنجومِ
ولا من يجيبُ
كي أشابهَ ربي
/ وربي لسانٌ فصيحُ
معتصِبٌ بالظلامِ
أضيئوا و لو نصفَ هذا الجنونِ الذي
عائماً .. أسقطَ الرفّ
أخرَجَ غولاًُ , ووسوس لي كي أكونَ فكنتُ
[ أنا كنتُ باسمي ] لديني أ أُمي
لديني ونوحوا
مخاوفَ إبليس
أتربةَ النفخةِ البكر
ما استكّ نردي سوى بصداي أنا
غسليّنيُّ الوجوه
أنا المتبخّرُ من عرق الآثمين
ومن صلوات الرياحين ,
من طلقات الرصاص
ومن زغردات الملائكة المتعبين
يا أيها المتهالكُ جِدتّكَ الزائفة ..
و حتّام هذا البكاء المديحُ .. ؟
فما أضوءَ الوهمُ
ما أظلَم الكلمة
أضيئوا المواقيتَ لي
وأضيئوا جهنّمَ
" زنزانتي " أقفلت راحتيها على النحبِ
أقسمُ هذا الفِرارُ من الذنبِ
بعضُ فِراري إليهِ
فبعضُ الغموضِ اعترافٌ صريحُ
لا تذرف اسمي عليكَ
وتأخذني , وتروحُ
نغادرُ من أمسِنا ... أو يزيد يُفزعُنا جدولٌ فارضٌ فرّ منكسراً من جبينِه .. تركنا على حلَمَاتِ أبينا العجوزِ فلا تلُم النخلةَ البكرِ *** نغادرُ ملحاً فلا تشِ إمّا عرفتَ بدُكنةِ شهوتِنا ... فلا تشِ بالسُدرةِ العندما قبّلتنا على جرحنا فلا تلمِ الناي .. إن أحرقتهُ شفاهٌ ليبتّل هذا الجنونُ سيلزمنا كي نباشِر في سجدةِ السهوِ 
ونفتح بوّابة الخوف مشرعةً
بانتحارِ الأصابعِ فوق غِلافِ الوريد ...
ونتركُ أثوابَنا تتدلى على نجمةِ العشبةِ الساهرة ...
وننسحبُ الآن في يقظةٍ ماكرة
هروبٌ بأوجاعِنا للترابِ القديد
***
نغادرُ ( حيثُ نساءُ أبينا الصغيراتِ
يضحكنَ حين نقيءُ /
وهنّ بلا خجلٍ يتبولن فوق اليعاسيبِ
في بركةِ الحقلِ )
فلا تَلُمِ النعنعَ الغضَّ فينا ..
إذا ما تكوّر واهٍ وآوى إلى الرملِ / معتصِماً
لا تقُل لا / إلى أينَ يطرُدُنا اللهُ منّا ؟
نغادرُ من أمسِنا أو يزيد ..
***
شفاهً مسوّرةً /
رمحَ جنيّةٍ توّها أنشدَتنا القصيدةَ مزحوفةً ,
علّقتنا على محضِ بيتين ...
ثم تشّتتَ إنشادُها /
وارتحلنا ..
إن شخصّت وجهَهَا خطأً ..
وأتت طلعَها .. وُجهتينِ ,
فواحدةٌ شنقت نفسَها في فراشِ الغيابِ ...
وأُخرى / نغادرُ ما لا نريد ...
تكلّسَ فوق الجدارِ القديمِ
على قُبلةِ الموتِ للأنبياء ,
نغادرُ ألسُنَنَا تحتسيهِ مع الحزنِ
ننهارُ عند التذّكرِ ..
نشقى بلا رغبةٍ في البكاءْ ...
وصفاءِ قليلٍ من الملحِ خبّأهُ اللهُ فينا
كما خبأت طفلةٌ عُرسَها
في شتاءات بيتِ أبيها ،
وقامت تلاعبُ أعمدةَ البابِ
تجتازُ صوماً طويلاً بصبرٍ قليلٍ ..
وتجلسُ في الماءِ [ تنتظرُ الماءَ ] يأتي ...
تركت خضرةً في الجبينِ
إلى الآن غافيةً ،
موّهتنا سريعاً
وداوت سقوطَ الصغارِ
على ورقٍ أنجبتهُ وألقتهُ فوقَ الجذور ..
وإن لم يصلهُ بريد ...
***
سيلزمنا أن نكونَ على أهبةِ الغيبِ ..
غرقى
ندخِّنُ بسمتنا
كي تضيءَ العيونُ الظلاميةُ اللونِ ..
مثل جناحِ البعوضِ إذا لامسَ البحرَ ..
غرقى
نغادر ما لا نريدْ / نحو ما لا نريدْ ...
فقدٌ / يعاتبنا بالرحيلِ
ويتركُ نظرتهُ المستقيمةَ في خمصِ أيامِنا
كي نحثّ الخطى مسرعين
نغادر ..... !
ثم تعمى المدائن هلهل الوطنُ الوطنَ / يغسلُ القمرُ الآشوريُّ الفراتَ وأنتِ و مسلمُ : ما بالهم كلهم كذبوا.. ؟ كلّما فتحت بالقصيدةِ تختمُ بالتربِ أولها أَوَصَلتِ إلى شفرةِ السيف ومسلمُ : ما بالهم كلهم نحبوا ؟ يغسلُ القمرُ ناوليني لأغسلَ هذا المكدَّسَ في وطأةِ الفجرِ سماءً يُلألؤها الغَنَجُ الشفهيُّ 
أوّل ما خلق الله
في شفتيكِ
عراق
عن لحظها في التميمةِ / نفسي /
وما يسّر الله لي من يدين ..
وأبٌ موغلٌ في الحسين
الأمُّ دارٌ مواربةٌ كي يُناوِسُها القصَبُ
والعراقُ أبُ
يغسلُ القمرُ الأكدي ( رشيدَ )
ويبصقُ في الماءِ – يطمثُ غرّتهُ –
وعلى الخصر يأتمَّ /
مسلمُ :
ما بالهم كلهم ذهبوا
أيسروا / أيمنوا / أشملوا / أجنبوا , والعراقُ أبُ
ويبصقُ في الماءِ من دمهِ كوكبُ
يغسلُ القمرُ النجفيُّ بيوتَ المدينةِ بالسيفِ
للوصلِ يرتكبُ
والعراقُ .. العراقُ أبُ
سيدٌ كربلائيُّ أخبرني عندما مرّ
عن عمّةِ الصدرِ
قالَ : وكانَ العراقُ يخيطُ عباءتهُ ,
وينظّفُ خنجرَهُ المُذهَبَ [ الصمتُ يُدخلُهُ ]
و الفراتُ ودجلةُ نهدانِ يختبآنِ بصدرِ العراق
والعراقُ امرأة / العراقُ أبُ
هذه اللكنةُ الكعبويةُ تجتازُ بالطوفِ أسماءَ أبنائها الأربعين
وخامسهم في القصيدةِ عكّازةٌ للرويّ
محالٌ عليها التفتّح
حرملةٌ فوقها نزقٌ مغضَبُ
والعراقُ أبُ
منزلقاً في الكتابةِ
أم عالجتكِ
ويغسلُ هذا السحابُ السماويُّ من قيحِهِ
قبّةَ القلمِ المستديرةِ
يُبرزُ خاتِمهُ المرجعي
ويطبعُ في وجهكِ كلماتٌ
فتابَ عليهِ
وضمَّ على بِكرِهِ
وطناً ثيّباً
والعراقُ أبُ
وإذا / استتروا ..
باطِنٌ / ظاهرُ
عجمٌ / عربُ
والعراقُ أبُ
حتى الثمالةَ
ممزوجةً بالشعيرِ العراقيِّ
واقتربي لأراكِ على ضوءِ عيني منارةَ عسكر
أحضري لي سماءً لأسكر
ولا تشتهيها سوايَ شفه
سماءً , مباركةً , مُدنفه
فأكونُ لها ولداً يلعبُ
والعراقُ أبُ
يغسلُ القمرُ الـ ..
ثم ، يبصقُ في الماءِ من دمِهِ
كوكبٌ
والعراق / أبٌ
إلى ... شبيهتي في التغرّب شبيهتي في الوطن ◄ تربّينَ في قلقي وردةً (مع ملف صوتي)
◄ جسدٌ لقميص المجموعة كاملة
موانئ النورس الغائب ثلاثة مشاهد شعرية في مولد الإمام المهدي ( عج ) 2003 م/1424هـ الميناء الأول : ( في ميناء عراقي , الحركة القليلة تدل على تباطؤ الحياة , أناس يعبرون من الداخل بشكل متقطّع , الشيّالين يحملون بعض البضائع أو يبحثون عن من يحملون له بعض البضائع , العساكر الأجنبية تُلاحظ بشكل واضح عابرة الميناء يميناً وشمالاً , في ركن ما شيّالان يتحاوران .. ) الأول : ما أصعبها عيشة .. منذ بزوغ الفجر هنا .. ولم يعبر أحدٌ يسألُ عن شيّال .. الكيسُ نظيفٌ من أيام .. هذا وأنا وحدي .. لا خلفي امرأةٌ أو أطفال .. قل لي بالله .. كيف تدبّر رزقكَ هذي الأيام .. وأنا أعرفُ أن وراءكَ كومُ عيال ... الثاني : الله كريم والله ولا أقسمُ إلا بالله .. هذا ثالث يومٍ لم يدخل في بطني زاد .. فأنا لا أجمع في يومي إلا ما يكفي بضعةَ أرغفةٍ أقسمها بين الزوجة والأولاد .. ماذا نفعل .. فلقد حطّت فوق الجسدِ المُتَفسّخِ أسرابُ جراد .. الأول : أومن جلاّدٍ يا ربي حتّى جلاّد .. ( يبتسمان ) ( يدخل شيخ كبير في السن يتلفّت يميناً ويساراً .. وكأنهُ أضاعَ شيئاً .. يقترب من الشيّالَين ) الشيخ : السلامُ عليكم .. الإثنين : وعليكم السلام ... الأول : أهلاً , أهلاً .. آمر يا شيخ .. الثاني : هل عندكَ شيلة .. ظَهرينا أقوى ظهرَينٍ في هذا الميناء .. وبأجرٍ أزهدُ مما تتصور الشيخ : ( يقاطعه ) لا .. والله .. ما عندي شيلة .. لكن .. جئتُ أسائلكم عن بعض العسكر .. الإثنين : ( ينظر كل منهما للآخر .. باستغراب ) الأول : العسكر .. ؟ الشيخ : بالأمس .. أطبَق بعض العسكرِ في قريتنا .. أخذوا ما أخذوا من أقواتِ عيالي وعيالِ القرية .. فأنا شيخُ القريةِ .. لكن .. الثاني : لكن ماذا يا شيخ ... الشيخ : أبداً لم نرفض أن نعطيهم ما يبغون .. فأنا .. وجميعُ أهالي القرية نعرفُ .. أن لا فرق.. إن وافقنا .. أو لم .. فهُمُ بالتأكيدِ سينتزعون وبحدّ السيفِ جميعَ مطالبهم .. بل أكثر .. لكن الإثنين : لكن ماذا يا شيخ .. الشيخ : عن طيبةِ خاطر .. أعطيناهم كلّ مؤونتنا .. لكن الإثنين : لكن ماذا يا شيخ الشيخ : أطمَعَهم هذا .. الأول : في ماذا ؟ الشيخ : أخذوا بنتي الصغرى .. مريم ساقوها من قدّامي .. وأنا أنظر .. وجميعُ أهالي القرية ... لكن الإثنين : لكن ماذا يا شيخ .. الشيخ : لكن أحداً منهم لم يتكلّم .. الأول : يا شيخُ .. وأنت .. ؟ الشيخ : أغلقَ فميَ الخوفُ .. ولم أنطِق .. ورأيتُ أهالي القرية .. ينسّلون .. بعيداً عني .. الثاني : فإذن .. ما جاءَ بكَ الساعة ؟ الشيخ : أبحث عن مريم .. عن حلمٍ من بينِ يديّ تسرّبَ كالماء لم يغمض جفني منذ الأمس .. ما لامسَ قلبي إلا صوتُ أفاعٍ .. تسري في هوّةِ نفسي الظلماء الثاني : والآن .. ؟ الأول : أجئتَ لتأخذها وحدك ؟ الثاني : بل جئتُ لأطلبها منهم .. الأول : ماذا ؟ الشيخ : أشريها منهم .. أدفعُ .. كل ضياعي الثاني : .. تشري بنتك ؟ الشيخ : باتت جاريةً .. يشريها من يدفعُ أكثر .. منذ استولى بالأمسِ عليها العسكر .. الثاني : ما هذا يا شيخ .. ؟ ما أعجبَ ما نلقى منك ... ( يدخل بعض الجنود الأجانب , يلمحون الشيخ يذهبون باتجاهه ) الميجور : أنتَ هنا .. ماذا تفعل .. ؟ الشيخ : ( بارتباك ) أهلاً ميجور .. جئت أقول لكم أني .. أو .. إن كنتم .. يعني .. إن كنتم .. فأنا .. الميجور : إن .. إن .. قل ماذا تبغي بالضبط .. الشيخ : أشري بنتي .. الميجور : ( يضحك ) .. تشري .. بنتك ؟ .. الشيخ : إن كانت لكمُ رغبة .. الميجور : ماذا ؟ الشيخ : أعني .. الميجور : ( للجنود ) لكنّا لم نفرغ منها بعد .. ( يضحكون ) الشيخ : ( منّكساً رأسه ) لكن الشيّالان : ( باستغراب ) لكن ماذا ياشيخ .. ؟ الميجور : حسناً .. حسناً .. كم تدفع ؟ الشيخ : ( يتهلل وجهه ) أدفع ما تطلبُ يا ميجور .. عندي بعض ضياعٍ في ناحيةِ القرية .. والآن ... في عبّي كيسانِ من الذهبِ الميجور : مجنون .. مجنونٌ .. وغبي .. الشيخ : ماذا ؟ الميجور : ( للجنود ) يا جندي .. خذ منهُ الكيسينِ ( يبدأ الجنود بتجريد الشيخ من ثيابه بحثاً عن الكيسين ثم يرمونه على الأرض , يسلمون الميجور الكيسين , ويتثقلهما ويضحك ) أما الضيَع العندك .. فهي لنا منذُ وطئنا هذي الأرض .. وأما بنتك .. فأنا مثل ملاك الموت .. ما آخذهُ .. أبداً .. لايقدرُ أحدٌ أن يسترجعهُ مني .. ( يهم بالإنصراف , ثم يلتفت للشيخ مرة أخرى ) قم واذهب إلى قريتك .. وهيء لنا مؤنتنا .. سنمرّ عليكَ الأسبوع القادم .. وارجو أن نجد لديك ما نريد .. ( ينصرف الجنود .. ويبقى الشيخ والشيّالان .. ينظر كل منهم للآخر ) المجموعة الأولى : أعتَمَ البحرُ , غطّى بأسمالِهِ وجهَهُ , وبكى في خشوع أعتمَ البحرُ , هزّ مراكِبَهُ كي تنامَ على صدرِهِ .. وأدارَ وشيعتَهُ للرجوع .. أعتَمَ البحرُ .. ضلّلَ نورَسَهُ ياعراقُ .. أريني يديكِ إذا قطّعتها الشواطئُ .. أو بلّلتها الدموع .. المجموعة الثانية : يا لها غربةُ الماءِ والنورسِ الحالكة يالها غربةٌ شائكة .. يا لهذا الظلامِ الذي سدّ بابَ الصلاة .. وأطفأ بعض الدروب التي ربما قد تؤدي إلى لحظةٍ مُربِكة .. المجموعة الأولى : أدرك رُعاكَ رَعاكَ الاحدُ الأحدُ ففي قطيعكَ خاض الذئبُ والأسدُ * المجموعة الثانية : يا الغائب .. أدرك هذي كل موانئكَ تغشّاها صدأ القلب .. تغشّاها الزَبَدُ .. هذي كل موانئكَ فأدرِك .. (في ميناء فلسطيني , تجمهر حول جثّة ملقاة على الضفة , الوجوم يخيّم على وجوه الجميع بينما الحرسة مشدّدة على الجثة) الأول :عينانِ تشعّانِ بريقاً مصحوباً بالجنّة .. مبتسمٌ .. لا يبدو ميتاً .. الثاني :كالمتعمّدِ في إبريقِ صلاة كالمرتشف الساعةَ آياتٍ من سورةِ مريم مازالت خضر الأحرفِ تشتعل على شفتيه .. الأول : ( للشخص الثالث الواقف معهما ) صف لي بالله .. كيفَ رأيتَ الحادث ؟ الثالث :كانوا أربعةً أوجههم أعلى من خصلةِ شمس من خلفِ عيون ِ البحرِ أتوا في الفجر بخفةِ همس وهمُ يحنونَ حديد الليل بأذرعِهم .. كنتُ هنا .. وهناكَ العسكرُ كانوا ينتظرون .. الثاني :أهناكَ إذن من بلّغَ عنهم ؟ الثالث : إثنان , كانا ينتظرانِ معَ العسكر .. ثم رأيتُ الزورق يتوقّف عندَ نواحي الميناء وإذا بالعسكر من كل جهات الميناء يحوطون القارب الثاني : أيُّ جبانٍ آثمْ بلّغ عنهم ؟ .. هل شاهدتَ ملامحَ هذين الشخصين ؟ الثالث : كانا يضعانِ الكوفيّة .. ولذلك لم ألحَظ جُلَّ ملامحهم الثاني : النذلان .. الأول : إيهِ .. وماذا بعد ؟ الثالث : فرَّ الأربعةُ من القارب للبحر .. وهذا الشاب تسلّل نحو الضفّة أمّا الباقون .. فلا أعرفُ عنهم شيئاً .. غابوا في البحر .. أمّا هو فقد اكتشف الجند مكانه .. الثاني : كيف ؟ الثالث : لا أدري .. لا أدري .. لكنهمُ قتلوهُ هنا ( يدخل الميجور مرتدياً بزّة عسكرية أخرى , ومعَهُ بضعة جنود ) الميجور : ( يُخرج من جيبه بضعة عملات مالية ويعطيها للأول والثاني ) شكراً لكما .. لولا ما قدّمتم من معلوماتٍ ما كنّا أمسكنا الزورق والأسلحةَ الهرّبها الإرهابيون .. الثالث : أنتم ؟ .. أنتم من بلّغتم عنهم ؟ الأول : أكل العيش .. لا تسئ الظن .. هذا كلّه من أجل اللقمة .. جندي : ( يشير للثالث ويسّر الميجور في أذنه ) الميجور : ( مبتسماً يأخذ النقود ويعطي الثالث أيضاً , الإثنين ينظران باستغراب ) الثالث : .. لا تستغرب .. لا تستغرب .. فأنا من أخبرت الجند مكانه .. حين ترجّل عن ظهر المركب .. ماذا أفعل .. أكلُ العيش .. أكل العيش ! ( يقف الجميع بانشداه يتأملون الجثة الملقاة على الضفة )
المجموعة الأولى : على حلمٍ نديّ الروح يطلع من عيونِ الصمت .. أبحتَ بهِ بأذن الماء .. كي يأتيكَ أو ما بُحت .. المجموعة الثانية : أدرك تراتكَ أيها الموتورْ فلكم بكل يدٍ دمٌ مهدورْ * المجموعة الأولى : أدرك .. المجموعة الثانية : أدرك .. هذي أممٌ تقتاتُ من اليأس وهذي أسرابٌ من لعنة حطّت فوقَ موانئكَ وما هذي المحنة .. إلا ظلٌّ آخرَ للآتي .. من خلفِ الأبواب الموصدةِ على المجهول / فأدرك بالنورْ يا نورَ اللهِ .. بقايا من شُعَلٍ موقدةٌ وسطَ ظلامِ الديجور .. * البيت للسيد جعفر الحلي ( مجموعة تنتظر على رصيف الميناء وهي تلوّح بأيديها تارة وتخفض أيديها أخرى وكأنها تستقبل وتودّع أحداً في نفس الوقت ) الأول : تُرى أين مركبهُ .. هل رسى على شاطئٍ مهملٍ .. أم عسى أحطّ على غيرٍ جرحٍ يداً أضلّ .. أملَ .. تُرى .. أم نسى ..؟ الثاني : ستأتي .. ولن تأتِ يا غائباً .. يقرّبهُ البعدُ .. أو يحبسه .. الثالث : أنظروا ( يشير بيده نحو مركبٍ ما ) هل نودّعها .. رحلَت .. ! الأول : ( وبصَرهُ على المركب ) يا لهُ مركبٌ .. يمخر البحر .. غادرنا دون أن نستعدّ لتوديعهُ جيداً .. الثالث : لا نزالُ على شطّنا .. والمراكب تعبر راحلةً عائدة .. الثاني : ولا مركبٌ مدّ نحو أصابعنا السائلاتٍ يدَه ... الأول : نستقبل سفناً ونوّدع أخرى .. الثالث : ننتظر القادم من أشراش المشمومِ ومن سُمرةِ بَلَحٍ مدني .. الأول : ماذا نفعل ؟ .. ممكتوبٌ أن نُربَطَ في حبلٍ معقودٍ بالصبر .. أن نجلسَ تحت الجمرِ وفوق الجمر .. الثالث : هل يأتي .. أم نرحلُ نحنُ إليه ؟ الثاني : مكتوبٌ أن القادمَ يأتي عند بزوغِ الفجر .. وعلى حينِ الغفلةِ يأتي الأمر .. الأول : هل نبقى ننطرُ أن يأتي ؟ الثالث : ضقتُ الآنَ بهذا الصمتِ وضقتُ بهذي النظرة أحملُها في عيني .. لا .. أبداً ليسَ بهذا الصمت .. تكونُ النُصرة .. لن أجلسَ وأراقبَ سفناً تعبرُ في ذاكرتي .. سأكونُ سفيناً أعبرُ ذاكرة العالم .. سأكونُ بشارةَ هذا الآتي .. أحملهُ في عينيّ وأرحل .. حتى يأتي .. سأمهّدُ جسَد الدنيا كي يخطو أولى الخطوات عليها .. الثاني : فلنصبحُ هذا المركب ... ولنمضي نحو الآتي .. يأتينا أو ناتيه ... ( يركب الجميع .. وتنطلق السفينة )
زورقهم يمسك حبل الماء رويداً
هياكل المطـر.. هياكل أم قضبان

حين يحاول الشعر أن يصنعَ لنفسهِ قيوداً وأن يكبّل قدرته في تراكيب وجمل يختزل فيها صرخاته وتأوّهاته، وحين يري نفسه محاصراً لدرجةِ أن يضع نفسه في صندوقٍ وهمي، بل ويشغلنا بالطرق المستمر علي جوانب هذا الصندوق، بنداءات استغاثة غريبة، يقف فيها علي الخط الفاصل بين النواح وجنون الحكمة.
حين تلمعُ عيناه في لحظةٍ، وتطفأ في لحظات، وهو يحاول أن يصرخ أو يستنجد، حين ينتقل سريعاً بين زوايا الصندوق الوهمي باحثاً عن فتحةٍ صغيرةٍ يُخرج منها صوته بكل وضوح دون يغيّر الصندوق معانيه، أو يبدّل دلالاته كما قد يتوهم. وقتها نعرف حتماً أن هنالك صوتٌ آخر غير ذلك الصوت الشعري الذي يحرّك القصيدة باتجاه عوالمها المفترضة، صوتٌ يخرج من عباءة القصيدة لا عباءة الشاعر/ الشاعرة. وهو يشكّل بنسب متباينة تلك الرؤي الجميلة التي تخرج عادة من الحالة اللاواعية عند كل شاعر أو شاعرة. وغالباً ما يكون هو الكوّة التي يدخل من خلالها أي قارئ للقصيدة. ربما لأنهُ يُشكّل المقتل الذي لم يتوقعه الشاعر أو الشاعرة.
ووقتها أيضاً فإنّ قراءة كهذه في مجموعة هياكل المطر لزينب المسجّن وهي المجموعة الأولي للشاعرة تصبح غير ذات جدوي، لأنها لا تعمد إلا لإغراق الشاعرة وشعرها في ضوءٍ فاضح، ربما يفقدها حسّها الصادق بذلك الصندوق الوهمي.
مجموعة هياكل المطر قصيدة طويلة صادرة قريباً عن دار فراديس للنشر والتوزيع وهي المجموعة الأولي للشاعرة، وهذا يضيّق علينا باب السؤال ما إذا كانت هذه الرؤي التي لمحناها في قصيدة هياكل المطر هي لعبة شعرية تلعبها علينا الشاعرة بكامل وعيها أو هي ذلك الصوت الخارج من وعي القصيدة ولاوعي الشاعرة. وسأسلّم هنا بداعي أنها أول تجربة للشاعرة، وبداعي حداثة سنّها، أن هذه الرؤي لم تكن إلا وليدة مكر القصيدة، وسأفترض أيضاً أن الشاعرة بريئة وعيوياً من اختراع الصندوق/ السجن، حتي أستطيع أن أتجادل مع القصيدة دون حاجتي لاستصحاب الشاعرة معي أو حشرها بيني وبين القصيدة.
تتكون القصيدة المجموعة من سبعةٍ وخمسين مقطعاً مرقماً تربط الشاعرة بينهم بشريطة حمراء من وجد الفقد، وذهول الغياب:
ضيّعني الطريق إلي كفيك
فأطلقتُ اشتعال الكلمات
وتراوح القصيدة في اختلاق الصورة تلو الصورة، والمشهد تلو المشهد، في هالة انفعالية وتأثيرية تتوحّد بالمعني، وتأخذ بالمنحي الدلالي باتجاه مستقيم غير عابئة إلا بالتشظّي النفسي الذي تكونّه هذه الحالة المتنافرة من انقسام المشاعر، فهي تارة تروح باتجاه:
دفنتَ مسافات حلمي
قدمتَ لي رماد الحروف
انثر بقاياك في أضلعي
واهرب نحو أودية الوقت
هذه الحالة المستسلمة شيئاً ما والمتناسية لذلك الهاجس الواقعي الذي يجعل من الغياب ألماً محضاً، والتي عادةً ما تخلق لنفسها بناءاً يذهب باتجاه التناول الفلسفي للمشاعر، أو النظرة التحليلية التي تنأي بنفسها عن لحظات الفضح، والتي تتنكّر عادة في صورة الحكيم أو الفيلسوف الشعري. ولكنها تارةً تذهب باتجاهٍ آخر صوب:
بحثت عن مجيئك
هرولت نحو حطام الخريف
أعانق الشموع المطفأة
أخبّئ كفي في بقايا الرماد
صارخةً بكل هذا الألم دون اعتناءٍ بالصورة السابقة المستسلمة والمتأملة.
إلا أن خيطاً رفيعاً يربط بين هذا التنافر في التكوين الشعوري للقصيدة، هذا الخيط هو تلك الدرامية الواضحة والمضطربة في كل القصيدة والتي تبرز من خلال هذا المونولوج الشعري والدرامي، أو ما يمكن أن يكون ذلك الصندوق الوهمي الذي سجنت القصيدة نفسها فيه.
ومن أهم الملامح التي تستوقف قارئ هياكل المطر في بنية القصيدة ذلك الالتزام الغريب الذي ألزمت الشاعرة به نفسها في أغلب مقاطع القصيدة، وهو التزام في جمل نحوية معينة تتكرر في المقطع الواحد أو تتعداه لتتكرر أيضاً في عدد من المقاطع. وأيضاً اعتماد القصيدة بشكل واضح علي علاقة الإضافة في تكوين الصورة الشعرية، وخلق الدهشة من خلال التباين الدلالي بين مفردتين تربط بينهما هذه العلاقة. وأعتقد أن هنالك تأويلان لهذا اللزوم ما لا يلزم في القصيدة، الأول منهما يجعلنا نرجع لخلفية الشاعرة الحديثة وتجربتها، وهو أنها ربما كانت نتيجة محاولة من الشاعرة للإطالة والإسهاب باللعب علي وتر تكرار الجملة النحوية بصور شتّي، وهذا يُرجعنا لاستصحاب الشاعرة في قراءة تجربتها وهو ما لا نريده الآن.
و التأويل الثاني وهو ما أذهب إليه في فهم هذا التكرار في الجملة النحوية، هو ذهاب القصيدة باتجاه موسقة نفسها لتزاوج الإيقاع الداخلي في النص وأيقونات الغياب والفقد، بإيقاعٍ خارجي يشبهُ حالة من الندب وإظهار الأسي بـ تعداد مآثر المفقود . ولنأخذ مثلاً مفردة كنتَ التي جاءت ثلاث عشرة مرة في القصيدة وكلها كانت تتبعها حالات من الإضافة:
كنت سيد الرغبات
ومطر الذكريات
وحارس المدينة
وإله الجنون
وفي مقطعٍ آخر:
كنت وجه الرماد
يتنكّر لي
كنتَ صمت الزمان
يدوي حولي
وبهذا التكرار والتعداد تأخذنا القصيدة في فضاءات مختلفة، فهي تارة تعداد لما يمثّله المفقود، وأخري لحجم الخسارة، وأخري لنحيب الأشياء. في انشطار وتفتّت للحزن يذهب باتجاهات مختلفة وكذلك يفعل في شطر الدلالة وتفتيتها عند كل مقطع، وبعد أن تكون واثقاً من الدلالة ووضوحها، يصير عليك أن تأخذ لعبة القصيدة في فتح دلالاتها بشكل أكثر جدية، إذ تأخذ يأخذ هذا الفقد والغياب نفسه دلالات أكثر تشظٍ وانفلات وتفتّت.
والنحيب الذي اتخذ شكل تفصيل كم الخسارات عن طريق لهاث الجمل النحوية المتكرر، صار طَرَقَات احتجاج منظّمة، وبهذا فقد صرنا نري صندوق القصيدة المسجونة بشكل أوضح، ولم يعد هذا الصندوق وهمياً كما كنا نحسب، لأنه الآن اتخذ شكلَهُ، وبدأت قضبانه بالبروز.
في قصيدتها الطويلة لا تحاول زينب المسجّن أن تضعنا علي المفاتيح، ولا أن تضع المفاتيح أمامنا، لأنها برغم تواصلها في هذا النحب إلا أنها كانت تُشير باتجاه آخر، وكأنها تستنفر سؤال الألم، مداهُ وبداياته، اختفاؤهُ وحرقته:
بعدك لا عاصفة تغتالني
ولا نهر يخترق صدري
وليست التقريرية هنا إلا غربة أخري لذات الألم، وسجن آخر للنفس، طارحة هذه التقريرية المباشرة علامة التعجّب الكبيرة حول تناقض الألم هذا، هل سأكون حقاً بدون ألم لقاءك؟ في هربٍ من سجنٍ لسجنٍ آخر، من صندوق لصندوقٍ آخر. وهذا يحيلنا علي العنوان الذي اختارته الشاعرة للمجموعة هياكل المطر ، ورغم ما للهيكل المفرد من معانٍ معجمية، إلا أن الجمع هنا، هنا بالذات يعطي إيحاءاً بهذا التقفيص الذي نتحدث عنه، الأقفاص، والسجون التي يسقيها المطر فيخرج كل سجن من السجن الآخر.
سرّ الصورة ديسمبر 2006
هل نحنُ نفكك الصورة حين نريد أن نصفها، أم أننا نبني صورةً أخرى مغايرة.. مختلفة، وعلاقتها بالصورة الأم ليست سوى علاقة إيهامية؟
عندما قرأتُ خبراً يتحدث عن أن سرّ ابتسامة الموناليزا ليس سوى لأنها ابتسامةُ شابّة حديثة الولادة، أقلقني سؤال الصورة هذا.
مهما بلغ العلم مرحلة متقدّمة فإن علاقته بالصورة تظل مشتغلة على المجاز، فهو يستطيع أن يقنعني بتقديره لعمر الموناليزا (اللوحة) والأصباغ التي استخدمها دافنشي في رسم اللوحة، وحتى أن يخبرني أية فرشاة استخدم، بل وأية يدٍ استخدم في رسم هذا الجزء أو ذاك من اللوحة.
غير أنه لن يقنعني أبداً أنه قادر على اكتشاف (سرّ الصورة).. أية صورة، سواءً كانت زيتية أو فوتوغرافية أو شعرية أو ذهنية، كل أسرار هذه الصور هي رهنٌ بالتأويل والمخيّلة، قد يكتشف العلم موادها ويفكك أجزاءها، قد يعرف صنعتها وبناءها، غير أن ذلك السرّ الخفي في الصورة والذي يسرق الروح بالروح هو سرّ خاص لا تستطيع الصورة أن تبوحَ به.
ولذلك فإن العلوم الإنسانية حين تُلامس الصورة بصورها المختلفة فإنها تحاول دائماً أن تبحث عن المادي فيها، عن القادر على الإفصاح والكشف، لا على ذلك المتخفّي والكامن أو اللامرئي المحرّك، الذي ربما نستطيع أن نصفه (بالسرّ)، وربما لهذا كانت هذه العلوم أقرب للبحث في السرد منها في الشعر.
ولذلك أيضاً تخلّت بعض النظريات الحديثة في النقد عن البحث في الشعر، ذلك الملغز دائماً، وذلك الكائن اللامكشوف، فأخذت تبحث في السرد الذي احتفظ هو أيضاً بأسراره الصغيرة، التي لم يستطع النقد الحديث أن يكشفها، لأنها ببساطة ابتسامات صغيرة مثل ابتسامة الموناليزا.. قد يخمّن العلم أنها لفتاة حديثة الولادة، ولكنه غير قادر على أن يجزم بذلك، تاركاً لنا لذّة البحث عن التأويل الضائع، ووضع التخمينات ثم هدمها.
تنامُ على زهرةِ الليل حينما أدركت سرّهم, مثل موءودةٍ تتحرّى بكارة حفرتها, مسحوا قبرها بالتميماتِ, كيفَ يوارونَ سوءتهم لا تلومي عليهم, كانَ سربُ الفراتينَ ليطلِقَ شيطانَهُ في صدورِ النساءِ وكانت خناجُرُهم تتهيأُ يخرجُ في خلوةِ الروح, هل اقترفَ الوقتُ موتاً أعزُّ, أعمى, يفتّشُ عن ليلةٍ لا تنامُ قومي من الموتِ, أعمى يشيخُ الرصيفُ على جانبيهِ, وحدسٌ غريبٌ.. 
ومشكاةُ ليلتهم,
نارهم, حدُّ سكينهم,
زيتهم في وباء الحكايات,
أرنبهم, عودُ نعنعهم,
وتطأطئ أحلامهم,
جمرهم,
حمأةٌ في كتابهم الأم,
أسنانُ مشطهم المتشابك في الصدر,
إبهامُ ربّهمُ في فمٍ لا يُتأتئُ,
منديلُ بحرهمُ المتأنّقِ,
زخرف كسرتهم,
وستائرُ شيبتهم,
نومُ قمصانهم في عراءِ الكلامِ,
وأسماكُ آرائهم...
و تفاجئهم
رحّلاً,
حسّراً ,
حزّناً
فزعت / فزعوا..
وأهالوا الظلامَ عليها
بكوها قليلاً
كما يفعلُ الآخرون بسندسهم
نفضت عنهم الشيبَ,
عنها..
وعن يدهم
فتحوا فجوةً في سرير الرثاءِ,
أشادوا لها نصفَ مرثيّةٍ,
وزّعوا عند قبرِ القتيلةِ,
موتى يُجيدونَ موتَ الأساطيرِ..
غطّوا يديها بمشمومةِ الدهشةِ,
انتبهوا.. للفراتِ الذي خبّأتهُ بحلمتها..
قطعوا ثديها,
وبكوهُ قليلاً
كما يفعلُ الآخرون بسندسهم..
فاضَ الدعاءُ من الطينِ
مثلَ حمامٍ يُسافِرُ في فلكِ الأضلعِ,
اتسّعَ الموتُ,
ثمّةَ سربُ فَرَاتِينَ يخرجُ من قبرِها فزِعاً
لا الترابُ دمٌ كي يغطّوهُ بالليلِ
لا دمها كوكبٌ كي يهشّوا الملائكَ عنهُ
ولا وجهها زهرةٌ فرشت نومها في المقابرِ
لا قاتلٌ تتربّصُ أعذارُهُ بالقتيلْ
لا غرابٌ هنالكَ, لا قلقُ الله
لا آدمٌ باردُ القلبِ يبكي قميصيهِ..
لا نَدَمُ الإخوةِ الموجعين..
ترابٌ يرعِّشُهُ الهذيانُ,
فيبردُ بالصوتِ, والماءِ.. والأدعية
دلفوا يمضغونَ كراماتها,
يعلكون بحسرتهم ليّنَ المعجزاتِ
كما يفعلُ الآخرونَ بسندسهم,
يوقعونَ النجومَ على ركبتيها,
وينتحبونَ,
ويوصونَ أشجارَهم بالسكوتِ,
ويقترفونَ لها أسودَ الظلِّ, يرقُونَها
ثُمَّ يرقُونَها
ثمّ يرقَونَها..
وتُفشي لشرشفكِ المترشّح,
أحصي التماعاتِ أعينهم,
واخرجي كالخرافةِ ملويّةً,
فصّصي الجسدَ الصمَّ,
واشتملي بانفلاتِ السناجبِ
من بينِ قوسين,
وانفردي فوقهم
كالربابةِ حينَ يُسرُّ بأضلاعِها
وترٌ كلمةً لِوتر..
يقفزُ مثلَ الغزالِ على ليلِهم ويئنُّ,
يُغازلُ زوجاتهم بالبكاءِ,
ويُتلِفُ قمصانَهم
حينَ يسكبُ بعضَ النبيذِ عليها,
وينسى يديهِ كثيراً
على صدرِ أجملهنّ,
ويمحو كلامَ الفساتينِ بالشهواتِ,
ويهمسُ خيلاً بآذانِهنّ,
يراقِصُ نجماتهم خِلسةً,
فيسِحنَ ويدهنّ أبوابهم بالوشايةِ
والكذبِ الزعتريّ الجميلْ..
عليهِ بأن يتحدّث للماءِ سرّاً,
وأن يتذكّر نسيانَهُ دائماً,
كي يظنَّ بأنّ الفراغَ..,
ولا يتراءى لهُ قبرُها,
كي يصدّقَ أن الذي يقلقُ الليلَ
ما بين عينيهِ
ليسَ سوى ضربةً في الرمادِ,
يصدّقَ أن ارتجافَ يديهِ
دبيبَ دمٍ في أصابِعِهِ,
وتلألؤِ عينيهِ ليس الجريمةُ
تومِضُ في حدقةٍ
بل غبارُ حكايا يحكُّ العيون..
مشحوذةً في خواصرِهم,
والعقيقُ يسّحُ
فيخضِبُ بيضَ لِحاهُم,
هنالكَ تمهرهم بالشراك الخديعةُ,
في خفّةٍ يحملونَ على ظهرِهم
سنواتٍ من الشكّ,
لا تسقطُ السنواتُ
ولا يسقطونَ من التعبِ,
النومُ هودجهم,
واسمرار أصابعهم في مقابضهم,
تتلقّفهم في النكاية أعينُ زوجاتهم..
لا يذوبُ من الملحِ
إلا الذي كان يؤخذُ
من تحتِ ساقيهِ.
يبحثُ عنها وعن قبرِهِا..
والفراشاتِ,
موتٌ أمامَ مشارِفِ موتٍ
أضاعَ عناوينه من يديه,
فلا الروحُ تفاحةُ الخاسرينَ
ولا هو سربُ الفراتينِ,
قتلٌ كأنَ الحياةَ على طَرَفِ الخنجرِ..
- الآنَ ضاقت عليّ الأزقّةُ
واحتوشتني أصابِعُ قلبيَ
والآنَ تصعدُ نحوي وجوهٌ مضت في الرحيل
وتخفض من طرفها جملتي,
وتؤنبني جمرةُ المستحيل
وموتاً أشدُّ مِضاءاً,
وموتاً أقلُّ من الموتِ خبثاً,
لكي أدفن الليل في نجمتين
وأمضي إلى حيث أشربُ أسئلتي مطمئناً,
أفكّر في قلقي
وأعضُّ على حلمةِ الشعر..
لتقتادَهُ نحو أوجاعِهِ
(ستفاجئهُ مرةً, أو يفاجئها..
ينسيانِ بأنهما التقيا كي يناما
على كتفي حلمٍ,
مرةً.. بعدَ أخرى),
وأعمى يقضُّ مضاجعَ موتاهُ أو قاتليهِ :
- أنا القبرُ,
سربُ الفراتين,
روحي غبارٌ,
خرجتُ من القبرِ سرّاً..
تخفيّتُ خلفَ الحجارةِ حتى تيبّس قلبي,
تخفيتُ خلفَ الغمامِ
فأمطرني خالقي أعيناً تتربّصُ بي,
وتخفّيتُ خلف الكلامِ
فبحتُ بسرّي..
وأخطأني قاتلي
مرةً بعد أخرى,
وأخطأتُني مرّتينِ
فلا الروحُ تفاحةُ الخاسرين,
ولا أنا..
وحدي أمامَكِ,
وحدي وخلفَكِ ذاك الطريقُ الطويلْ.
تشيخُ الفساتينُ بين يديهِ,
تشيخُ الخناجرُ مشحوذةً
في أكفٍّ تشيخُ,
يشيخُ حديدُ ابتساماتِ من طاردوهُ,
يشيخُ العمى بين عينيهِ..
أعمى يسيرُ وراء السؤالِ,
يقودانِ بعضهما
- أنتَ سرتَ أمامي,
فقدني إليكَ, إليها
- ولكنني أعرفُ الدربَ بالحدسِ
أعرفُ أني ستوقفني خطوتي في الممرّ الطويلِ إليهم
يكونونَ في آخري يشحذونَ مشاغلهم
وأنا تتباطأُ بيني وبيني الحكايةُ
لا أعينٌ تترقّبُ, حدسٌ شفيفٌ
وحسبُ..
وأسقطُ في قبرِها
ثمّ يتّسعُ الموتُ لي ولها..
ثم أقضمُ تفاحتي.
اللغوي والبصري في المسرح الشعري منذ أن بدأ المسرح في البحرين يحاول أن يخطو خطواته الأولى، وهو ينظر بعين على المسرح وعين على اللغة والأدب، ذلك أن القائمين على المسرح البحريني منذ بداياته كانوا في الأساس كتّاباً وأدباء، وكانت التجربة الأدبية لهم حاضرة ومؤثرة في المسرح البحريني، فكانت المسرحية التاريخية والمسرحية الشعرية هما المسرحيتان اللتان بدأ بهما المسرح البحريني، وكان لكل من الشاعرين ابراهيم العريّض ومدرسته الأهلية وعبد الرحمن المعاودة ومدرسته الإصلاح الأهلية الدور البارز في تفعيل هذا المفهوم في المسرح البحريني المدرسي الذي منه انطلق المسرح في البحرين. وحتى عندما انطلق المسرح البحريني في خمسينات وستينات القرن الماضي عبر فرقة (أسرة هواة الفن) ثم فرقة (مسرح الإتحاد الشعبي) ثم ما تلتهما من فرق مسرحية، ظلّ الهاجس اللغوي والشعري في المسرح البحريني حاضراً، نظراً لما حملته تلك الفترة الحساسة في تاريخ البحرين من حراك سياسي ثقافي وذهني ولغوي على كافة أصعدة الحياة الإجتماعية والسياسية والثقافية في البحرين. وظل المسرح في البحرين يعود دائماً للشعر ليتحسس طبيعة العلاقة بين اللغوي وبين البصري في المسرح، ساعده في ذلك أن هذا هو حال المسرح العربي عموماً، خصوصاً في تلك الفترة حيث كانت أعمال صلاح عبدالصبور وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرها من الأعمال الشعرية المسرحية تحاول أن تقترب من مفهوم المسرح الشعري، وتفكك هذه العلاقة بين اللغوي وبين البصري فيهما. وظل المسرح الشعري في البحرين حاضراً بحضور هذه العلاقة الشائكة بين اللغوي وبين البصري، بعد ظهور وانتشار الصورة التلفزيونية، وظلّت مقولة (الصورة التي عن ألف كلمة) تؤرق الشاعر والكاتب البحريني، كما تؤرق المسرحي البحريني، وأنتج كل هذا عدداً من المسرحيات الشعرية المكتوبة والمؤداة، كانت تحاول وإن بنسق داخلي أن تفرز هذا عن ذاك، وأن تحدّد طبيعة الشكل المسرحي الشعري، فكانت مسرحيات الشاعر علي الشرقاوي والشاعر ابراهيم بو هندي، وكانت تجارب الفنانين عبدالله السعداوي وعبدالله يوسف وغيرهما، كلها تذهب باتجاه البحث في الشكل المسرحي الذي يمكن أن يستوعب الحالة اللغوية لدى الشعر.

وبهذا الإختراع فقد صار (ديونيسوس) بفضل خمره التي اخترعها والتي تبعث النشوة في النفس وتبعث على قرض الشعر، وعلى الرقص والفن، فقد صار راعيا للموسيقى والشعر وحمل لقب المغنّي فكانت الأشعار الملهمة من قبله سريعة الإنتقال بين المرح والنشوة وبين الألم والمعاناة والقسوة وبين المجون الصاخب، متماشياً كل هذا مع طبيعة الإحتفالات التي تقام تحت رعاية إله الخمر، ومثل هذه الحرية والتنويع، والخروج عن كل القيود الصارمة عوامل جعلت من الأغنية (الديونيسوسية) الجماعية بذرة صالحة لاستنبات الدراما.
ومن هذه التكوين الشعري للأغنية الديونيسوسية خرجت أولى أشكال الدراما لدى الإغريق بل وأولى أشكال المسرح الشعري أساساً الذي منه تكوّنت الدراما أو خرجت عليه، مكونة بذلك علاقة هامة بين الشعر كمعادل مهمّ ليس للغة فحسب بل للغة وللحالة (الشعرية) التي تتمثّل في النشوة والتقلّب أو التحوّل أو الإنتقال بين الحالات الشعورية والحسيّة، وبين المسرح الدرامي الذي ينبني أساساً على حالة من التوازن في خلق التكوين الدرامي سواءً للنصّ أو الشخوص أو الإخراج، إذاً فربما يكون المسرح الشعري ليس وليدَ حالة لغوية أو أيقاعية بحتة، بل هو أيضاً وأساساً وليد حالة شعورية ناتجة عن (النشوة) والتقلّب بين الفرح والحزن، والمرح والألم الذي تبعثه الخمر في نفوس منشدي (ديونيسوس)، وربما أيضاً من هنا نستطيع العودة إلى الأصل الحقيقي للمسرح الشعري، ومنه نستطيع أن ندخل إلى توضيح ملامح هذا المسرح الناتجة عن حالة فلسفية أساساً، تأخذ من (النشوة) علامة لها، ومكوّناً أساسياً في فهمها.
وإن أردنا ذلك حقاً علينا أن نسأل حول أهمية إضافة (الشعري) إلى المسرح، وما الذي قد تعنيه هذه الإضافة، أو هل هي إضافة حقاً، أي هل الشعر في المسرح الشعري هو حالة مضافة للمسرح، أي زائدة عليه أم أنها في هذا النوع من المسرح حالة موازية وربما ملغية للكثير من أدوات المسرح المعتادة، ومضيفة أدواتها سواءً للمثل أو المخرج أو السينوغرافي أو المؤلف أو المعدّ، أي أننا هنا لسنا أمام المسرح بما هو عليه، وبما هو مسرح، بل أمام حالة خاصة من المسرح، فخلافاً للفهم السائد للمسرح الشعري، القائم أساساً على اللغة يصبح المسرح هنا قائماً لا على الشعر بحدّ ذاته بل على المفاهيم التي يقوم عليها الشعر ويشتغل بها.
من الجزء.. إلى الكل
لذلك يجب علينا حينما نريد المضيّ قدماً في تحديد مفاصل العلاقة بين المسرح والشعر أن نحدّد طبيعة مفهوم الشعر نفسه، وأن نتساءل ما هو الشعر، في زمنٍ أخذّ فيه المفهوم ينحو باتجاه آفاق متشظية، متقاطعة ومتنافرة، مؤتلفة ومختلفة، وهذا السؤال الكبير حول ماهية الشعر أو الشعرية، برغم صعوبة الخروج منه بنتيجة ما إلا أنه لا مناص من محاولة الإجابة عليه ولو بأخذ كلّ تشظّياته، من أجل أن نعرف كيفَ يمكن أن ننظر للمسرح الشعري.
يرى الدكتور إحسان عباس أن الشعر هو (ظاهرة إنسانية لا يحدّ بدايتها تاريخ معين ولعلها وجدت منذ وجد الإنسان على ظهر البسيطة وهو مرآة تعكس الحياة بكل ما فيها من مفارقات ومتناقضات وهو تعبير عن إحساس وخلجات النفس تجاه موثر خارجي إستنبطه الشاعر فأثر عاطفته واصطبغ بوجدانه)، بينما يرى هازلت أن (الشعر المستمد من الشعور الصادق يصور الوجود في جوانبه المتعددة ومفاتنه الساحرة ويحلل القضايا والمشكلات ويعالج النفوس والأرواح ويجسد الآلام والمآسي في أنماط من الألفاظ الأنيقة والمعاني الجميلة وكل ذالك في أمانة من الأداء وصدق في التعبير وتحليق في آفاق رحبة من الشعور المطمئن وأبعاد مستطيلة في أجواء الإلهام الفسيحة)، ويقول بريتون عن دور الشعر( إن دور الشعر أن يظل يتقدّم دون توقّف، أن يكتشف مجال الإمكانات في كل وجهة، وأن يبدو دائماً، ومهما يحدث من أمر، قوة تحريرية ورصدية)، أي أن الشعر لم يعد كما يرى عباس مرآة تعكس الحياة، بل أنه بتأثير من السريالية والمدارس الحديثة لم يعد صورة من صور الأدب، بل أصبحَ شيئاً مستقلاً، والفرق بينهما أن الأدب نتاج فعل الموهبة داخل حدود مرسومة، أما الشعر فهو كشف ذو مهمتين، الأولى تفسير العالم والثانية تحويله، وما إن تذهب أبعد باتجاه المدارس الفكرية والفلسفية فسترى تفسيراً مختلفاً للشعر ودوره، غير أن ما يقوم عليه الشعر أساساً ليس الدور ولا الشكل ولا الفكرة التي يتبنّاها، بل تلك القدرة على الإدهاش ولفت الإنتباه، وكل ذلك يتمثلّ في أمور منها ما هو مستقرّ في الشعر مثل الصورة الشعرية بتغيّراتها، والإيقاع الداخلي والخارجي بتغيراتهِ أيضاً، والفكرة أو الحيلة الشعرية أو الشَرَك الشعري، ومنها ما هو طارئ ومفاجيء في استخدامه الشعري الأول، وهو ما يبتدعه الشاعر من أشكال الصورة الشعرية، التي يذهب رونقها عندما تُكرر، أو أشكال الحيل الشعرية المكررة.
ولذلك فإن حيّل اللغة التي يستخدمها الشعر ليست بذات بال في المسرح الشعري، لأن المسرح أساساً ليس قائماً على اللغة وحسب، بل هو قائم على عوامل أخرى أكثر أهمية من اللغة نفسها، سنعرض لها سواءً في المسرح أو الشعر أو في المسرح الشعري.
المكان والزمان في الشعر والمسرح.. والمسرح الشعري
إن المكان والزمان المسرحيين محدّدان تماماً ليس تاريخياً أو فضائياً فحسب بل وأهم من ذلك رؤيوياً، فالزمن المسرحي محدد بالحدث المسرحي، والمكان محددّ بالمُحدِث المسرحي، أو الفاعل أو الشخوص، وكلّ هذا يتجه باتجاه خلق حالة درامية إن واقعية أو نفسية أو ذهنية، ولكنها لا تخرج عن الحالة (الدرامية/السردية ) في مقابل حالة أخرى يتمثل فيها الشعر وهي الحالة (التفسيرية/ الشعرية) فالدراما حدث، بينما الشعر تفسير أو انطباع شعوري حول هذا الحدث، ولذلك فإن المسرح الشعري، يتعامل مع المكان بتعامل الشعر معه لا بتعامل المسرح، فيفقد المكان والزمان القيمة الفعلية والمادية لهما، وينطبعان بانطباع الشعر الذي يُضفي على الزمان والمكان قيمة ما ورائية، أو قيمة عاطفية، أو قيمة تأويلية وتفسيرية، (وما أقرَب هذه الحالة من مسرح كمسرح (العبث) أو المدرسة السريالية، ومن التجريب)، حينما سئل أوجين يونسكو عن دور المسرح أجاب: (إن الوظيفة الوحيدة للمسرح إذا كان لنا أن نتكلم عن الوظيفة هي أن يكون مسرحاً) وأضاف: (في هذا المعنى يُعتبر المسرح لعبة عظيمة، هو عمل حرّ، يجب على المرء أن يجد فيه لغة حية، ليست لغة الواقعية بل لغة تعتمد على (العالم الخرافي الرائع) الذي يتّسم بالواقعية أكثر مما يسمونه العالم الواقعي، المسرح هو تقمّص الأحلام والخيالات).
ها هو إذا يوجين يونسكو كاتب العبث الفرنسي يصف اللغة المسرحية بأنها تعتمد على (العالم الخرافي الرائع) ويصف المسرح بأنه (تقمّص الأحلام والخيالات)، وما الحلم سوى ذلك فقدان القيمة المادية للزمان والمكان، وتضخّم تلك القيمة التأويلية لهما.
وباختفاء القيم المادية للزمان والمكان، تختفي كذلك القيم المادية للحدث والمُحدِث، أي السرد الدرامي والشخصيات، فتصبح الشخوص والأحداث في المسرحية الشعرية الحديثة، غير ملزمة بما هي ملزمة به في المسرح لأنها ليست نتاج الحالة الدرامية السردية بل الحالة (التفسيرية الشعرية) أي الحلم كما يذهب يونسكو، وكما يفعل هو في مسرحه.
<<الصفحة الرئيسية








