لا يمكن التأسيس لشيء ضمن ثقافة لا تفكر إلا من خلال نظرة إلغائية, تقوم على إلغاء الآخر, أو تهميش منجزه, ليتسنّى لها الوقوف مكانه, وإظهار نفسها بديلاً عن هذا الآخر, لا متجاورة أو متحاورة معه, وكأن التفكير الإنساني رهين بنمط واحد لا يمكن أن يتعدّد, وغير مسموحٍ لهُ بالتعدّد. فعندما طرح الدكتور عبد الله الغذامي مشروعه عن (النقد الثقافي), لم يكتفِ بأن يكون مشروعاً متجاوراً مع المشروع الذي كان قائماً قبله, بل أعلن حينها عن (موت النقد الأدبي) وكأن مشروعه هذا لا يمكن أن يحيا إلا من خلال (قتل الآخر), ضمن سنّة عربية سنّها المثقفون العرب في التبشير لمشروعاتهم الثقافية, فمنذ أن قُتلت القصيدة العمودية على يد نازك الملائكة والسيّاب, والإحلال الثقافي عندنا يتكرر مرة بعد أخرى, دون أن يقف المثقف لحظة للتفكير في التجاور بدلاً عن هذا الإلغاء. وكانت لفظة الموت التي يطلقها المثقفون كالرصاص على بعضهم بعضاً حاضرة في أكثر المشاريع الثقافية العربية فمنذ ذلك الموت الذي منيت به القصيدة العمودية منينا نحن أيضاً بـ(موت الكورس) و(موت التفعيلة في مقابل قصيدة النثر) و(موت النقد الأدبي). ولا يتعامل الأجدّ فحسب مع الجديد بهذه الطريقة الإلغائية, أو التفكير( الفحولي) و(الديكتاتوري) كما ذهب الغذامي في مشروعه دون أن يلتفت إلى أنه هو الآخر وقع في ذات المصيدة العربية الكبيرة, القائمة على الإلغاء, بل حتى الجديد والقديم والأقدم, يتعاملون بذات الطريقة الإلغائية مع هذا الأجدّ وفيما بينهم أيضاً, وكأنه لا يمكن أن يكون على الساحة العربية سوى مشروعاً واحداً, ليس هو الأصحّ والأصلح فحسب, بل هو الأوحد أيضاً. وهكذا فإن مثل هذا النمط في التأسيس الثقافي لا يمكن أن يولّد ثقافة سليمة وصحيّة, وقادرة على الوقوف أمام ثقافات تعتمد أساساً على البناء, والبناء على البناء, والبناء في مجاورة البناء, لا على الهدم والبناء من جديد, ثم الهدم والبناء من جديد. إن زمناً أهدر تماماً من بين أيدينا في حروب شكلية كان حريٌّ به أن يُستغلّ في تطوير هذه الثقافة العربية المتلكئة, وإيجاد جوٍّ مناسب لها, لتتحسس عوالمها وفضاءاتها, وتخلق علاقاتها مع ذاتها ومع الآخر, دون أن تُجتثّ كل مرّة, ليقام بدلاً منها بناءاً آخر, لا يُدرى عن جدوائيته شيئاً سوى أنه (الجديد في الثقافة العالمية), الحداثي أو ما بعد الحداثي أو ما بعد بعد الحداثي.
الاحد, 30 يوليو, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








