سرور.. تكسير للشعر أم تفعيل له كثر الحديث بعد عرض مسرحية (سرور) وخلال الندوة التي أعقبت المسرحية التي هي من تأليف الشاعر إبراهيم بوهندي وإخراج الفنان عبد الله ملك عن أساليب تناول المسرحية الشعرية, وعن (تكسير) اللغة الشعرية خلال العرض المسرحي. ويرجعنا هذا الحديث إلى مفهوم المسرحية الشعرية ذاته, خصوصاً بعد بروز قصيدة النثر كشكل شعري من أهم الأشكال الشعرية على الساحة العربية, وهنا يظهر السؤال بين هاتين الإشكاليتين, هل المسرحية الشعرية هي المسرحية (التفعيلية) أو (الكلاسيكية), وحسب ؟ وهل تكسير القافية في النص المسرحي الشعري, جدير بأن يُسمى تكسيراً للغة الشعرية في المسرحية ؟ في اعتقادي أن تجربة (سرور) جديرة بالتأمل حقاً من حيث كونها مسرحية شعرية (عامية), ولكن إعادة تناول الفنان عبد الله ملك لهذه التجربة بعد ما ينيف عن ثلاثين عاماً على إنتاجها, وفي هذا الوقت بالذات هو أجدر بالتأمل هنا, كيف خلق الفنان عبد الله ملك علاقته مع الشعر الموجود داخل النص المسرحي (سرور), وهل حاول حقاً (مسرحياً) تكسير الشعر داخل المسرحية ؟ لو أردنا قياس المشاهد المسرحية داخل نص العرض المسرحي سرور, والمشاهد الشعرية, داخل هذا النص لاكتشفنا أن ملك لم يكن راغباً أبداً في تكسير اللغة الشعرية, بدليل أن مشهدي المجنون والسكيّر كانا عصب العرض المسرحي, تلته بعد ذلك المشاهد بشكل سريع وكأنه أراد إنهاء الحكاية بعد هذين المشهدين (الشعريين تماماً). مشهدا المجنون والسكيّر هما قصيدتان شعريتان أكثر من كونهما مشهدين مسرحيين, فقد استغرق فيهما الشاعر والمخرج في إظهار الحالة الشعرية المكرّسة تاريخياً التي يمثلها المجنون في ثلاثية (النبي – الشاعر – المجنون), وكذلك كان السكيّر (الذي يهذي كثيراً) مثالاً للشاعر أيضاً, خصوصاً كون المسرحية أنتجت في فترة السبعينات, وهي فترة بداية ظهور القصيدة الحداثية (التي تمثل في جانب من الجوانب) نوع من الهذيان (أو الحلم). وقد تماشى المخرج مع المؤلف في رسم حكاية المشهدين (شعرياً) سواء من خلال المؤثرات أو حتى رسم علاقة الجالسين في المقهى بالمجنون, لنعيش مع هذين المشهدين حالة من الشعرية المسرحية الجميلة, التي لم تتكرر كثيراً للأسف في المسرح البحريني. بعدها كانت المشاهد التي رسمها ملك مسرحياً تتقطعها بعض الحوارات التي تذهب ناحية اللغة الشعرية التي انتبه لها ملك جيداً, فأبرز شعريتها من خلال تفاوت يهبط ويعلو بين الشعرية والمسرح. ملك الذي كانت كلمته في كتيب المسرحية تتمثل الشعر, كان يعرف تماماً أنه يتعامل مع مسرحية شعرية, شعرية لأنها تتجه من الشعر وبه في خلق عالمها, وكان يعرف تماماً أن تكسير القافية الشعرية داخل المسرحية الشعرية لا يكسر الشعر في المسرحية, لأن الشعر في مسرحية سرور هو من صميم عملية الخلق فيها, ولذلك فقد اعتمد على تفعيل هذا الجانب الشعري بدلاً من تكسيره. ملك قال في الندوة أنه أعطى الحرية تماماً لمصممي الإضاءة والمؤثرات الصوتية والسينوغرافيا, ولكني أعتقد أنه كان واعٍ تماماً لهذه الحرية ومتحكماً أيضاً فيها, وخصوصاً في الأصوات المصاحبة لهذيانات المجنون, والإضاءة المصاحبة لهذه الهذيانات, وهي برأيي أعلى حالة شعرية برزت في المسرحية. ولذلك فقد جاء أداء الفنان القدير أحمد عيسى متناسقاً مع هذه الحالة الشعرية, وربما متفهماً لها بقصد أو بغير قصد, وكذلك فعل الفنان سامي رشدان, الذي أبدع دوراً جميلاً حمّله زخماً أدائياً هادئاً, على خلاف ما ذكره الدكتور محمد الخزاعي خلال الندوة, والذي أختلف معه تماماً في كون التكلّف صبغ هاتين الشخصيتين اللتين ربما كانتا هما الوحيدتان اللتان برزت فيهما ملامح الإشتغال الحقيقي داخل الشخصية. بعد هذه التجربة الممتعة مع الشعر من خلال المسرح أو المسرح من خلال الشعر, على كلٍّ منا أن ينتبه جيداً لأين يتغلغل الشعر في المسرح, فالشعر الذي هو كائنٌ ماكر, لم يعد يدخل المسرح محملاً بقوافيه وأوزانه, بل هو محمّل بحالة من اللعب خارج حدود اللغة الشكلية, وداخلة في رسم علاقات وأنساق شعرية, لا تعترف بما سأله الفنان والكاتب الإماراتي مرعي الحليّان خلال الندوة حول اعتبارية ما يصدر عن المجنون أو السكران من أفعال أو حوارات. لأن المجنون أو السكران في المسرحية الشعرية هما بخلاف أي مجنون وأي سكران في مسرحية أخرى, لأنهما شخصيتان داخلتان على المسرح من القصيدة لا من الواقع المعاش.
الاحد, 31 ديسمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








