سرور.. تكسير للشعر أم تفعيل له

سرور.. تكسير للشعر أم تفعيل له

 

كثر الحديث بعد عرض مسرحية (سرور) وخلال الندوة التي أعقبت المسرحية التي هي من تأليف الشاعر إبراهيم بوهندي وإخراج الفنان عبد الله ملك عن أساليب تناول المسرحية الشعرية, وعن (تكسير) اللغة الشعرية خلال العرض المسرحي.

ويرجعنا هذا الحديث إلى مفهوم المسرحية الشعرية ذاته, خصوصاً بعد بروز قصيدة النثر كشكل شعري من أهم الأشكال الشعرية على الساحة العربية, وهنا يظهر السؤال بين هاتين الإشكاليتين, هل المسرحية الشعرية هي المسرحية (التفعيلية) أو (الكلاسيكية), وحسب ؟

وهل تكسير القافية في النص المسرحي الشعري, جدير بأن يُسمى تكسيراً للغة الشعرية في المسرحية ؟

في اعتقادي أن تجربة (سرور) جديرة بالتأمل حقاً من حيث كونها مسرحية شعرية (عامية), ولكن إعادة تناول الفنان عبد الله ملك لهذه التجربة بعد ما ينيف عن ثلاثين عاماً على إنتاجها, وفي هذا الوقت بالذات هو أجدر بالتأمل هنا, كيف خلق الفنان عبد الله ملك علاقته مع الشعر الموجود داخل النص المسرحي (سرور), وهل حاول حقاً (مسرحياً) تكسير الشعر داخل المسرحية ؟

لو أردنا قياس المشاهد المسرحية داخل نص العرض المسرحي سرور, والمشاهد الشعرية, داخل هذا النص لاكتشفنا أن ملك لم يكن راغباً أبداً في تكسير اللغة الشعرية, بدليل أن مشهدي المجنون والسكيّر كانا عصب العرض المسرحي, تلته بعد ذلك المشاهد بشكل سريع وكأنه أراد إنهاء الحكاية بعد هذين المشهدين (الشعريين تماماً).

مشهدا المجنون والسكيّر هما قصيدتان شعريتان أكثر من كونهما مشهدين مسرحيين, فقد استغرق فيهما الشاعر والمخرج في إظهار الحالة الشعرية المكرّسة تاريخياً التي يمثلها المجنون في ثلاثية (النبي – الشاعر – المجنون), وكذلك كان السكيّر (الذي يهذي كثيراً) مثالاً للشاعر أيضاً, خصوصاً كون المسرحية أنتجت في فترة السبعينات, وهي فترة بداية ظهور القصيدة الحداثية (التي تمثل في جانب من الجوانب) نوع من الهذيان (أو الحلم).

وقد تماشى المخرج مع المؤلف في رسم حكاية المشهدين (شعرياً) سواء من خلال المؤثرات أو حتى رسم علاقة الجالسين في المقهى بالمجنون, لنعيش مع هذين المشهدين حالة من الشعرية المسرحية الجميلة, التي لم تتكرر كثيراً للأسف في المسرح البحريني.

بعدها كانت المشاهد التي رسمها ملك مسرحياً تتقطعها بعض الحوارات التي تذهب ناحية اللغة الشعرية التي انتبه لها ملك جيداً, فأبرز شعريتها من خلال تفاوت يهبط ويعلو بين الشعرية والمسرح.

ملك الذي كانت كلمته في كتيب المسرحية تتمثل الشعر, كان يعرف تماماً أنه يتعامل مع مسرحية شعرية, شعرية لأنها تتجه من الشعر وبه في خلق عالمها, وكان يعرف تماماً أن تكسير القافية الشعرية داخل المسرحية الشعرية لا يكسر الشعر في المسرحية, لأن الشعر في مسرحية سرور هو من صميم عملية الخلق فيها, ولذلك فقد اعتمد على تفعيل هذا الجانب الشعري بدلاً من تكسيره.

ملك قال في الندوة أنه أعطى الحرية تماماً لمصممي الإضاءة والمؤثرات الصوتية والسينوغرافيا, ولكني أعتقد أنه كان واعٍ تماماً لهذه الحرية ومتحكماً أيضاً فيها, وخصوصاً في الأصوات المصاحبة لهذيانات المجنون, والإضاءة المصاحبة لهذه الهذيانات, وهي برأيي أعلى حالة شعرية برزت في المسرحية.

ولذلك فقد جاء أداء الفنان القدير أحمد عيسى متناسقاً مع هذه الحالة الشعرية, وربما متفهماً لها بقصد أو بغير قصد, وكذلك فعل الفنان سامي رشدان, الذي أبدع دوراً جميلاً حمّله زخماً أدائياً هادئاً, على خلاف ما ذكره الدكتور محمد الخزاعي خلال الندوة, والذي أختلف معه تماماً في كون التكلّف صبغ هاتين الشخصيتين اللتين ربما كانتا هما الوحيدتان اللتان برزت فيهما ملامح الإشتغال الحقيقي داخل الشخصية.

بعد هذه التجربة الممتعة مع الشعر من خلال المسرح أو المسرح من خلال الشعر, على كلٍّ منا أن ينتبه جيداً لأين يتغلغل الشعر في المسرح, فالشعر الذي هو كائنٌ ماكر, لم يعد يدخل المسرح محملاً بقوافيه وأوزانه, بل هو محمّل بحالة من اللعب خارج حدود اللغة الشكلية, وداخلة في رسم علاقات وأنساق شعرية, لا تعترف بما سأله الفنان والكاتب الإماراتي مرعي الحليّان خلال الندوة حول اعتبارية ما يصدر عن المجنون أو السكران من أفعال أو حوارات.

لأن المجنون أو السكران في المسرحية الشعرية هما بخلاف أي مجنون وأي سكران في مسرحية أخرى, لأنهما شخصيتان داخلتان على المسرح من القصيدة لا من الواقع المعاش.

أضافها مهدي سلمان @ 09:45 م
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments
الجرأة على النص

الجرأة على النص

 

من بين الملامح التي ظهرت خلال هذا المهرجان المسرحي (مهرجان أوال المسرحي) , ملمحٌ برز في عرضي ( الصرخة ) للفنان طاهر محسن, و( الجلف ) للفنان عبد الله سويد , وهو ملمح الجرأة على النص المسرحي خلال التناول في الإخراج.

فقد بقي النص المسرحي متسيّداً فكرياً ( خفياً ) للعرض المسرحي, يشتغل المخرج المسرحي من خلاله  أو به , دون أن يحاول أو يفكر في الخروج عليه .

وكأنما يتوجّب على المخرج دائماً أن يكون تابعاً .. أو على الأقل متساوقاً مع النص , لا ندّاً له  .. ولا خارجاً عليه .

وبقيت هذه الفكرة مترسّخة في المسرح لأنها تخفّت داخل سياق خفي يتمثل في الآلية التي تتم من خلالها عملية اختيار النص المسرحي من قبل المخرج , فبقي السؤال الدائم لاختيار النص المسرحي (سؤال ما إذا كان النص قد أعجب المخرج )  مسيطراً على عملية اختيار النص , ومن ثم على العلاقة الجدلية التي لم تنشأ , وكان من المفترض أن تنشأ بين النص من جهة والمخرج من جهةٍ أخرى  .

لا أعتقد بالطبع أن سؤالاً كـ( هل أعجبني هذا النص ؟ قطعاً لا .. حسناً , سأقوم بإخراجه ) قد طرح من قبل المخرجين , ولكني أجزم بأن سؤالاً من قبيل سؤال التوافق بين النص والمخرج قد طُرح من قبلهما , وهنا تكمن النظرة الغيرية في تناول النصين لدى المخرجين .

سؤالٌ كهذا , ونظرةٌ كهذه , أوجدت لنا عرضاً قد نختلف عليه , أو نتفق معه كعرضي ( الجلف ) و( الصرخة ) ولكننا بالتأكيد شهدنا نوعاً بسيطاً من كسر سلطة النص على العرض المسرحي .

ولا أعتقد أيضاً أن هذه الجرأة على النص المسرحي في نظر المخرج قد تختلف باختلاف المؤلف أو بتباين قيمته الفكرية , فحين نقارن بين تعامل  المخرج عبد الله سويد مع نص لتشيخوف , وتعامل المخرج طاهر محسن مع نص عربي لصباح الأنباري , نكتشف أن ثقافة النص كانت هي المحرك الأساسي للتعامل معه , ولم تكن القيمة الفكرية للمؤلف.

فقد تعامل الفنان عبد الله سويد مع نص تشيخوف على أساس أنه مادة مختبرية قابلة للنقاش وللتأويل, عندما حرّر نصّ العرض المسرحي من ثقل الدلالة الواحدة التي شُحن بها النص, فحاول الذهاب بالعرض صوب أكثر من دلالة وأكثر من إيحاء عندما رسم مشاهد المسرحية بالطريقة الكاريكاتورية المبطّنة التي ظهرت من خلال أداء الممثلين, ومن خلال اختزال السينوغرافيا , ومن خلال رسم الحركة, بل ومن خلال المؤثرات الصوتية أيضاً .

والتباين الواضح في البيئات التي أخرج عنها سويد شخصياته والتي برزت أيضاً بذات الطبيعة الكاريكاتورية , وضعت المتلقّي أمام إشكالية لم تكن موجودة في النص الأصلي , لم تتمثّل في تصالح الطبقات , كما يذهب تشيخوف في نصه , بل تمثّلت في تحفيز حساسية المتلقي ( البحريني هنا ) , تجاه قضايا قريبة من قضية الطبقات مثل الطائفية .

وبرغم أني لا أزعم أني قادر على إيجاد قرائن كافية  لما سأقوله , إلا أن ظنوني تنبئني أن سويد سحب النص من النظرة التصالحية بين الطبقات في النص , باتجاه العلاقة التضادية المربكة بين الأطراف السياسية في البحرين خصوصاً , وفي العالم عموماً , معتمداً على الكاريكاتورية موصلاً لمثل هذه الأفكار, وذلك لما تحمله هذه الكاريكاتورية من دلالات باتجاه كل ما هو سياسي أو اجتماعي , ومعتمداً أيضاً على تلك البساطة والحدة التي تميّز هذا الفن .

وفي العرض الثاني ( الصرخة ) للمخرج طاهر محسن , كنا نجلس لنرى نصاً مأساوياً بامتياز, ومشحوناً بالغضب والتحدي الواضح لكل السلطات , فكان بطل النص الفنان عصام ناصر يمثل بؤرة هذا التحدي , في تحديه الدائم للمخرج ( الديكتاتور ) , وللأوامر العسكرية التي تصدر له , وفي رفضه الموت وقتما يشاء المخرج , أو الديكتاتور , في الحرب الغبية والساذجة والغير ذات جدوى .

كل ذلك كان باهتاً ومموهاً خلال العرض المسرحي أو خلال النص الذي يفترضه طاهر محسن , فكانت الشخصية عنده تتكئ على حالة الهوس , أو التوهمات , أو التقمّص الكلي للشخصية في المسرح, وعوضاً عن أن يوضّح أو ( يفسّر ) لنا الحالة المأساوية في النص المسرحي , اختار الفنان طاهر محسن أن يذهب بالنص تجاه ما يريد هو لا ما يريد المؤلف , أو ما يريده النص .

فكانت الحالة النفسية (للمثّل) أكثر وضوحاً وترسيخاً خلال العرض من الحالة النفسية للجندي , وكانت المسرحية داخل المسرحية هي الثيمة الأساسية للعرض من الفكرة الأساسية التي أرادها صباح الأنباري في نصه المسرحي , والتي تتمثل في عدمية الحرب , ورفض الأوامر الديكتاتورية التي تصدر بلا مبرّر من قبل ( الديكتاتور / المخرج ) .

ومهما بلغت درجة تقبّلنا لما أراد العرضان المسرحيان قوله خلافاً لما كان المؤلف يريده , ومهما اختلفنا في تأويل النصين , وفي تأويل العرضين , ومهما كانت درجة التوفيق في خلق معنى من معنى آخر , أو خلق نص للعرض المسرحي من نص مسرحي مكتوب , فإن ما يمثله العرضان من جرأة على النص المسرحي , ومحاولة تناوله بصورة أخرى , والتفكير من خارج النص المسرحي , هي أفكارٌ نتمنى أن تترسّخ في عروض مسرحية مقبلة.

أضافها مهدي سلمان @ 09:42 م
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments
المستأجر الجديد.. الموت المنظّم
المستأجر الجديد.. الموت المنظّم
 

 

إن اختيار يوجين يونسكو للمسرح كأداة للتعبير عما يجول بذهنه من دون سائر الأجناس الأدبية الأخرى لم يأتِ اعتباطاً أو عن طريق المصادفة, فهو قبل أن يكتب المسرح كان قد مارس أجناساً أخرى من فنون الأدب, ولكنه اختار المسرح ليعبّر من خلاله عن كل ما يريد أن يقوله بأصوات الآخرين من شخصيات مسرحياته.

ففي مذكراته يؤكد يونسكو بعضاً من هذا حين يقول: (إن شخصياتي المسرحية ليست دائماً أنا .. بل هي أشخاص آخرون, قدمن نبت خيالي, وقد تكون صوراً كاريكاتورية لي, وبمعنى آخر ما أخشى أن أكونه وما يمكن أن أكونه ولم أكنه لحسن الحظ.

ولعلّها ليست سوى جانب مكبّر من نفسي أرثي له وأضحك منه, أحبه وأبغضه, وقد تكون في بعض الأوقات شخصيات أحب أن أكونها, وهي نادرة, كذلك فهي في بعض الأحيان تجسيد للقلق أو أطياف أحلام).

وهكذا في هذا الاعتراف الضمني يذكر يونسكو كيف تدخل الهواجس والأحلام والمخاوف الشخصية ضمن بناء مسرحياته, ورغم أنه ليس بالاعتراف الهام, إلا أنه يوضح كيف تتمثل هذه الهواجس لشخصيات عندما تتكوّن وتخلّق ضمن نص (مسرحي) بالذات.

حيث تكون متحركة وطليقة وليست مربوطة إلى صوت راوي كما قد يحدث في الرواية, وليست كذلك وحيدة وباردة كما قد يحدث في الشعر.

ولعلّ مسرحاً طليعياً وعبثياً كمسرح يوجين يونسكو هو الآخر خياراً ملائماً لهذا التعبير عن الهواجس والقلق الذاتي باعتبار (الحلم) كتمثّل لهذا القلق والهواجس أحد أهم علامات مسرح يونسكو.

ولكننا هنا أمام هذا النص ليوجين يونسكو (المستأجر الجديد) نراه يؤكد في بداية إرشادات المسرحية على واقعية الأداء على الأقل في بداية المسرحية وفي نهايتها, وكأنه يفرض حلقة من الواقعية عليها وعلينا.

الإحلال .. التغيّر اللا محسوس

يصوّر يونسكو في هذا العمل المسرحي مستأجراً جديداً جاء ليشغل الحجرة الفارغة في إحدى البنايات, والتي فرغت لتوّها كما يأتي على لسان الحارسة.

بعد ذلك يحضر النقّالون بالأثاث حيث يبدؤون بتصعيده للدور السادس الذي توجد فيه الشقّة, ويشغلون كل حيّز في الحجرة بالأثاث.

وبطلب من السيد (المستأجر الجديد) يسدّ الأثاث كل مدخل للنور والهواء في الحجرة بعد ذلك يعلمنا النقالون أن الأثاث قد سدّ السلم والشارع وعطّل حركة المرور بل لقد ( أربك البلد كله) وسدّ نهر السين ما منعه عن الجريان (فلم يعد هناك مياه).

كل هذا الأثاث الجديد والضخم لم يكن ليدخل من باب البناية, لولا أن السقف الأوتوماتيكي للبناية يفتح تلقائياً عند التصفيق, فيدخل النقالون من السقف كل هذا الأثاث الذي يمثّل تلك الحضارة المادية القادمة على أنقاض (زمنٍ كهل كان يقطن هذه الحجرة سابقاً).

قد يُستشعر في هذا النص المسرحي موتاً للإنسان, ودفناً لقيم الإنسان (المضيئة) في أكوام من المادة ومن الظلمة, وقد يُستشعر التشاؤم الذي اكتسى به هذا النص المسرحي (المستأجر الجديد) وهذا الحفل الجنائزي المسرحي للإنسان الذي يأتي جاهزاً للموت.

ولكن هذا الإحلال الظلامي للحجرة, يلوّح بتأويلات أخرى أيضاً حين نلاحظ هذا البطء والتمهّل في نقل الأثاث.

وحين نرى أيضاً تلك الصورة الغرائبية والمعكوسة في استشعار ثقل الأشياء من قبل النقالين.

وكأنَ ثمة موتاً منظماً هنا:

(السيد: لقد عُمل حساب لكل شيء..)

هذا الموت الطبيعي الذي يحمل بذرة موته في انتقاله الجديد, وهنا يدخل صوت المؤلف في سخريته من هذا العالم المادي الذي (يعمل حساباً لكل شيء) ناسياً أو متناسياً موقعه الحقيقي على الأرض:

(السيد ألم يكن هناك حجرة خالية بالطابق الأرضي؟)

العتمة والتوحّد

لعلّ شخصيات يونسكو تتميّز دائماً بقدرتها على التباين فيما بينها مما يعطي مسرح يونسكو حالة من التصادمية الخفية أحياناً والظاهرة أحياناً أخرى بين الشخصيات.

ولعله استقى هذه الحالة من التصادم الفاضح بين شخصياته من حياته هو شخصياً لدى تجربته هذا النوع من التصادم بينه وبين كل ما هو أيديولوجي وشمولي في رومانيا حيث نشأ.

ولذلك تأتي هذه المواقف التصادمية المتصاعدة غالباً في الحوار في مسرحياته, ودائماً ما يُبرز هذا النوع من التصادم في الحوار في مسرح يونسكو حالة ما يتكرّس هذا الحوار المتصاعد (والشيّق) فيها.

وهنا في هذا العمل يبرز هذا التصادم في الحوار عبر (ثرثرة) شخصية الحارسة و(صمت) السيد, أو اختزاله المبالغ في استخدام الكلمات.

ذلك اللا تفاهم القائم بين ثقافتي المادة/الروح وذلك من خلال تعلّق الحارسة بالعواطف وتمسّكها الدائم بالوصف الطبيعي وبالمحاولة الدائمة لإنشاء العلاقة مع هذا القادم الجديد.

ومن خلال الرفض الذي يبديه السيد واستغنائه التام عن كافة خدمات الحارسة (العجوز) وتجاهله التام لها.

إن تصوّر المسرحية بدون دور الحارسة وبون استثارة الطاقات التأويلية لهذه الشخصية, هو ما قد يذهب بالتأويل التشاؤمي مذهب التأويل الرئيسي للمسرحية, غير أن إدراك فاعلية هذا الدور, وفاعلية الحوار التصادمي بين الشخصيتين يعطي كوّة أخرى للنظر منها للمسرحية.

الحجرة القديمة .. المستأجر الجديد

يُعدّ المكان أحد أهمّ أعمدة لعبة يونسكو اللا معقولة  في كونها تمثل -الحلم- الذي يواجه به يونسكو عبثية هذا الواقع وماديته, فيتخذ من خلاله بالإضافة للحدث اللا معقول والشخصيات المستفِزّة والمستفَزّة دليلاً يفضح به الطبيعة القاسية للواقع المادي والعبثي.

فالمكان لدى يونسكو هو مكوّن رئيسي من مكوّنات الشخصيات لديه, وحسب ما يرى فإن المكان يفرض أنظمته على الشخصية, ويفرض قوانينه التي يجب أن تتبّعها الشخصيات لديه, والشخصيات التي لا تتبع قوانين المكان الذي توجد به والتي تحاول التمرّد على المكان أو تغيير نظمه ورفض قوانينه فإنها تُطارد كما في ( الخرتيت) وتُنفى كما في (جاك) أو تُقتل كما في (لعبة القتل) .

فالمكان غالباً ما يمثّل لدى يونسكو سلطة تفرض وصايتها دائماً على المقيمين فيه, ولذلك فهو في هذا العمل يمثل ذلك الفراغ في السلطة, أو الحيّز الفارغ منها والذي لابد أن يملأ في أقرب وقت :

الحارسة : من حسن الحظ أن السكان الذين كانوا هنا قبلك نقلوا كل شيء في الوقت المناسب.

وبينما تتخذ السلطة الجديدة دائماً موقعها في المكان الذي حظيت به, فإن يونسكو ينظر لهذا الإحلال في منح السلطة لهذا القادم المادي الجديد خراباً كبيراً, وذلك عبر عدد من حوارات الحارسة التي تُنذر بهمجية هذه السلطة الجديدة :

1-آه عجباً .. يغررون بنا, ويمنوننا بكل شيء.. ثم لا يبرون بوعودهم

2-إنهم يشترون كل شيء بالمال.

3-يعرضون علينا كل شيء مخجل فاضح.. مقابل النقود.

وهكذا تتضح صفات هذا القادم الجديد (على الأقل في ذهن الحارسة.. إن أردنا أن نصدّقها) كزمن بديل لزمنٍ عجوز ماضٍ.

وهكذا أيضاً يتخذ الزمان موقعه في المكان, ولكن وحسب ما يرى يونسكو فإن هذا القادم الجديد لا يؤثث سوى قبراً له.

أضافها مهدي سلمان @ 09:39 م
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments
الخلق المتحول في العرض المسرحي

الخلق المتحول في العرض المسرحي

 

ليست اللغة عندما تنطق في فضاء العرض المسرحي هي ذاتها اللغة أو المفردات الدلالية التي يمكن أن نستشفّها في أي منتج لغوي ثقافياً كان أو غير ثقافي, وحتى في النص المسرحي بما هو "ورق" أو مادة مسرحية خام فإنه يختلف تماماً عند إنتاجه كعرض مسرحي, ثمة في المسرح تكامل بين معطيات حسيّة وعاطفية كثيرة, تختمر فيما بين المنتَج الثقافي المسرحي, وصانع هذا المنتج من كاتب ومعدّ ومخرج وممثل وسينوغرافي, وبين المتلقي المسرحي الحاضر ذهنياً والمستعد نفسياً وتخييلياً للتفاعل التام مع هذا المنتج.

هذا التكامل بين المعطيات يعدّ أساساً لغة ثانية, تُقرأ بصورة مغايرة تماماً لأي منتج ثقافي سردي آخر كالرواية أو القصة القصيرة أو السينما أو التلفزيون, وقد يكون الشعر هو الأقرب للمسرح من جهة مغايرة القراءة لما في الإثنين من انفتاح دلالي, غير أن المسرح يتميّز عن الشعر في كونه منتج تتعدد زوايا القراءة فيه, ولا تنحصر في النص الأدبي أو اللغوي, بل تنفتح فيه اللغة بمستويات أخرى, فيصبح جسد الممثل وصوته لغة, وتعبير وجهه وانفعالاته لغة, والضوء والظلمة فيه لغة, الحركة والسكون لغة, وأهم ما في الأمر هو اتفاق القراءة المضمرة بين المتلقّي والمؤدي –ليس بما هو ممثل وحسب, بل كل أدوات العرض المسرحي- والذي ينص على أن يساعد المتلقّي المؤدي عبر الإيمان المطلق بما يفعل طالما استطاع المؤدي أن يقنعه بصدق ما يفعل.

وهكذا فإن اللغة في المسرح تتقسم وتتنوع باختلاف ظروف وأدوات ومعطيات أي عرض مسرحي, وهي بذلك تصبح لغة متحولة ومتحركة ولا تركن إلى السكون مطلقاً, وتتميّز إضافة لتميّزها في اتفاق القراءة ذلك عن العروض الأدائية الأخرى في كونها قابلة دائماً لهذا التحول والتبدّل عبر منظمومة من الأدوات المسرحية التي توطّد فاعلية هذا التحوّل والتبدّل في العرض المسرحي, ومنها:

أولاً: أدوات العرض المسرحي:

1- الإعداد المسرحي:

إن أي نص مسرحي يشكّل خلية حية قابلة دائماً للتمدد والتجدد والتطوير, وأي نص مسرحي هو وحدة حيوية تحمل في مكوناتها عناصر البقاء, وركود وسكون أي نص مسرحي لا يعني بالضرورة موته أو اندثاره, لأن النص المسرحي غير خاضع لمشترطات النصوص الكتابية الأخرى, وغير خاضع أيضاً لمشترطات النصوص الأدائية الأخرى كالسينما والتلفزيون, إذ يحمل النص المسرحي شروطاً تؤهله لأن يتدحرج عبر الزمن ككرة الثلج, وتسمح له بأن يكون نصاً كتابياً سيئاً وفي الوقت ذاته نصاً مسرحياً جيداً, لأن النص المسرحي حتى وإن كان عملاً فردياً فهو بالضرورة عملاً جماعياً غير خاضع لمقتضيات زمنٍ ما أو مكانٍ ما.

والإعداد المسرحي هو إحدى السمات الفارقة التي تمنح النص المسرحي هذا القدر من البقاء عبر التحوّل والتغيّر الذي قد يقتضيه هذا الإعداد, وهنا يجب أن نميّز بين (إعداد) أي نص أدبي سردي أو شعري للاشتغال عليه في المسرح, وبين الإعداد المسرحي لنص المسرحي منجز, فالعملية الأولى تدخل ضمن كتابة نص مسرحي جديد, وإن كان باستيحاء من الرواية أو القصيدة, أما في العملية الثانية فإننا أمام ما يُدعى فعلياً بالإعداد المسرحي, فكثير من عمليات إعداد الروايات لإدخالها عالم المسرح, تُعدّ كتابة مسرحية مستقلّة, نظراً للاختلاف بين العالمين المسرحي والروائي, فإعداد أعمال روائية لكتاب من أمثال ديستوفسكي في روايته (الإخوة كارامازوف) أو (أجراس بال) لأرغون, تختلف تماماً عن إعداد أي عمل مسرحي لشكسبير أو تشيخوف أو ناظم حكمت أو سعد الله ونّوس.

وتختلف آليات إعداد النص المسرحي باختلاف النص نفسه, وباختلاف زمن الإعداد, والرؤية التي ترتكز عليها عملية الإعداد, وهذا التنوّع والتغيّر في آليات ومصادر إعداد النص المسرحي يعطي النص المسرحي القدرة على خلق حيوات أخرى متجددة عبر الرؤى والأزمان, إضافة للفضاء الجغرافي (واللساني) إذا ما اعتبرنا عملية تغيير الفضاء المكاني واللساني للأعمال المسرحية إعداداً.

2 - نص العرض.. رؤية المخرج:

(هل يجب علينا أن نحترم النص؟ أعتقد أن ثمة اتجاهاً صحياً مزدوجاً: الاحترام من ناحية, وعدم الاحترام من ناحية أخرى, والجدل بين هاتين الناحيتين هو جوهر المسألة, وأنت إذا مضيت في أحد السبيلين دون الآخر ضاعت عليك فرصة اقتناص الحقيقة.)

بيتر بروك (النقطة المتحولة)

إن أهم ما يجعل من النص المسرحي نصاً متحولاً ومتبدلاً ومتلوناً هو اختلاف الرؤى التي تشتغل فيه وعليه, وأهم هذه الرؤى التي تطوّر وتبدّل وتغيّر النص المسرحي وتحوله إلى عرض مسرحي, هي رؤية المخرج المسرحي, الذي يمسك بالنص المسرحي في عملية حوار فني ليستبدله بالنص الخاص به, هو نص العرض المسرحي, وهنا يتعامل المخرج المسرحي مع النص كمادة أولية ضمن عدد من المواد ليشكّل بها ومن خلالها نصه الخاص, وإن اختلفت الأفكار حول وظيفة المخرج وسلطته فإنه من المسلّم به أن أي مخرج يتنازل عن وظيفة (التوظيف) في العرض المسرحي, أي توظيف النص والممثل والسينوغرافيا وغيرها من الأدوات المسرحية, سيفشل بالتأكيد في تقديم النص الخاص أو العرض المسرحي الخاص به.

وهذا (التوظيف) هو ما يعطينا مفهوماً واضحاً حول دور نص العرض المسرحي أو رؤية المخرج في عمليات التبدّل والتحوّل المسرحي التي تشكّل اللغة غير المستقرة للمسرح.

ويلعب المخرج دائماً الدور الأبرز في تكوين هذه اللغة, حيث يصبح للنص المسرحي الواحد أكثر من روح وأكثر من لغة إن تناوله أكثر من مخرج أو إن تناوله مخرج واحد في أكثر من زمن.

3 - روح العرض المسرحي:

حين تُطفأ أنوار الصالة, ويجلس الجمهور أمام الخشبة, فإن كل ما يتحرك ويتفاعل ويُبنى في فضاء العرض من الممثلين بأجسادهم ووجوههم وأرواحهم وأصواتهم والسينوغرافيا بتكويناتها وفضاءاتها وألوانها, الحركة والسكون, اللون والظلال.. الصوت والصمت.. كلها تغدو روحاً واحدة تمثل روح العرض المسرحي, وهذه الروح ليست ثابتة في كل عرض, إنها مثال صادق للروح التي تعتريها الأمزجة والفكر والضجر والسأم, والحماس, كل هذا وارد في العرض المسرحي, لذلك فإن العرض المسرحي هو عرض متبّدل, وغير متوّقع, وتعدّد أدوات العرض المسرحي ودفقها كلها في روح واحدة يجعل من غير الممكن تحديد مزاج روح العرض لهذه الليلة أو تلك, فعليك أولاً أن تجلس أمام الخشبة, لتعرف كيف سيكون عرض الليلة.

هذه الحالة من الترقّب واللا ثبات في كل عرض مشاركة هي الأخرى في جعل دلالة القراءة المسرحية, ذات معطيات متنوعة ومتغيّرة, مميزة المسرح بذلك عن أي عرض أدائي آخر (سينمائي أو تلفزيوني), حيث تتوحد روح العرض فيهما داخل صورة محددة مسبقاً وثابتة, وغير قابلة للتغيير.

4- الارتجال:

الارتجال كفعل مسرحي ناتج أساساً عن الشعور بالحاجة (الدرامية أو غيرها) لقول أو فعل شيء وقت العرض المسرحي, وهو بذلك إن جاء بالصورة الطبيعية والصادقة يعد أرقى حالات التفاعل والتقمّص المسرحي, حسب المفهوم التقمّصي لحقيقة التمثيل الدرامي المسرحي, ولسنا هنا بصدد تبيان ما اختلف عليه المسرحيون من حجم وأنواع الارتجال بقدر ما نحاول أن نوضح كيف يغدو الارتجال ركناً من أركان عملية المغايرة والتبّدل والتحوّل في قراءة العرض المسرحي.

وتكمن أهمية دور الارتجال في مثل هذا التنوّع في القراءة في كونه الأكثر ظهوراً من أدوات (روح العرض المسرحي) والأقرب بالتالي للرصد والتحليل, والقراءة وإعادة القراءة, ويمتاز عن باقي تلك الأدوات في أنه صادر بشكل حسّي وملموس, وليس بالشكل العاطفي والمزاجي الذي قد تبدو عليه باقي أدوات روح العرض المسرحي الأخرى.

إضافة إلى ذلك فإن الإرتجال يمثل أيضاً قراءة مغايرة من قبل الممثل للعرض المسرحي من جهة, ولشخصيته داخل حدود العرض المسرحي من جهة أخرى, فعادة ما يكون نتيجة قراءات متعددة من قبل الممثل/المرتجل للعرض المسرحي, وقراءات أخرى للشخصية التي يؤديها.

ثانياً: آليات القراءة المسرحية:

تكمن كافة أدوات القراءة المسرحية, وهي متعددة وغير محصورة ومتنوعة في يد المتلقي, إذ تختلف قراءة أي متلّقٍ بشكل طبيعي عن الآخر, بل وحتى نوعية القراءة نفسها قد تختلف فثمة قراءات انطباعية, وأخرى تأويلية, وثالثة متخصصة, غير أن آليات التلقّي في المسرح ليست مغايرة لبقية أنواع الفنون الأخرى, كما هو الحال بالنسبة لأدوات العرض المسرحي.

كل هذا يحصر منظومة أدوات القراءة المغايرة للمسرح أو الخلق المتحول لنص العرض المسرحي في ثلاث نقاط رئيسية ليست متاحة لأي عمل أدبي أو فني آخر غير المسرح هي:

1- المكان: فاختلاف الفضاء الجغرافي والحيّز المكاني للعمل المسرحي يمنح أي متلقٍّ أو قارئ أدوات مغايرة للقراءة المسرحية, وقد استغّل المخرجون والسينوغرافيون المسرحيون هذا في توجيه القراءات المسرحية نحو جوانب محددة أرادوها من خلال عروضهم, بينما بقيت جوانب من هذا الفضاء متاحة للقراءة المسرحية بشكل عام وغير محدد من قبل المخرج منها جوانب الهويّة والعرق المتعلّقة بالجانب الجغرافي.

2- الزمان: يلعب الزمان دوراً مهماً في تجديد القراءة المسرحية, سواء عن طريق خلق مخرجين مسرحيين جدد يتناولون المسرحيات السابقة بطرق مختلفة, أو عن طريق خلق أجيال جديدة من المتلقين تتفاعل بشكل مغاير عما سبقها في أساليب التلّقي, أو عن طريق خلق ظروف مختلفة للقراءة.

3- الرؤى: قد تكون الرؤى والأفكار المغايرة, موجودة في النقطتين السابقتين, ولكنها بالتأكيد نقطة مستقلة, لأنها خارجة عنهما ومتمركزة أساساً في أسلوب المشتغلين بالمسرح, أياً كان الزمان, وأياً كان المكان.

 

أضافها مهدي سلمان @ 09:33 م
خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) comments


<<الصفحة الرئيسية