ساعة ينشغل طفلٌ أمامكَ باللعب, ساعة يغيب عن العالم ويركز انتباهه على أمرٍ واحد ربما هو أن لا يركّز انتباهه على شيء, وربما هو تلك الحركة المعقّدة لاكتشاف المخبوء, ساعةَ لا يستطيع أحد أن يقنعه بمزايا الهدوء والسكينة.. ساعتها ليس اللعب فقط هو ما يشغل بال هذا الطفل بقدر ما يشغله الفضول لمعرفة المجهول, واستكشاف الآليات التي تصدر عنها الأشياء, كأي عالمٍ مثابر, كأيّ فيلسوفٍ يسعى إلى اكتشاف الحياة. يرى كارل جروس أن مفهوم اللعب مرتبط بمفهوم صراع البقاء, وفسّر داروين اللعب على أنه نشاط غريزي يلجأ له الإنسان ليتدرّب على مهارات الحياة, في إشارة لذلك الشغف الغريزي الأول لدى الإنسان/الطفل في البحث والسؤال والإختبار والتدريب. وأية حضارة ليست قائمة سوى على تنمية مواهب اللعب لديها, وتطويع هذا اللعب الغريزي ليغدو أساساً لمناهج علمية وتدريبية واختبارية, وكما أن ازدهار اللعب كما يرى (ميلر وبندورا) يحتاج للبيئة المحيطة بالطفل واتصاله بالأقران, وشروط أخرى, فإن أية حضارة تقمع هذا اللعب البكر في نفس الإنسان فهي أيضاً تقمع كل ما يمكن أن يشكّل فيما بعد أفكاراً ومناهج ورؤى علمية. ورغم أن مرجع هذا القمع ليس سوى الحرص على قولبة الفرد ضمن نطاق الجماعة كما يرى الدكتور حسين مؤنس في كتابه الحضارة, إلا أن هذه القولبة التي يخضع لها الطفل/ الحضارة قد تتسبب في انهيار أمم وقيام أمم أخرى محلّها, أمم قادرة على أن تثق في ثقافة الاختبار والتدريب, وتثق في ثقافة اكتشاف الآليات والبحث والفضول, وتثق في النهاية في ثقافة اللعب الذي يصنع الحضارة.
الخميس, 26 اكتوبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








