سياق العرض

سياق العرض 
 

يرتبط المسرح بالسياق ارتباطاً وثيقاً رغم كونه ارتباط لا واعٍ في أغلب الأحيان, وربما يكون هذا اللا وعي بالسياق هو مبعث الزخم التأويلي في كافة أجزاء العرض المسرحي, وهو أيضاً ذلك الخيط الشفاف من الرؤيا الذي يربط بين المتلقي ونص الرسالة المسرحية.

مكمن ذلك في أن أي عرض مسرحي ليس سوى نتيجة لسياقات مختلفة ومتشعبّة, ولكونه أيضاً نتيجة لأفكار متباينة تجمع بين الذهني المتمثل بشكل رئيسي في مؤلف العمل المسرحي, والبصري المتمثل في سينوغرافيي هذا العمل, والجسدي الإيمائي المتمثل في الممثل المسرحي, والفكري الذي ينتظم في مخيّلة مخرج العمل المسرحي, وحين تتباين درجات الوعي بهذه الطريقة في عملٍ واحد تبرز بشكل جليّ تلك الحالة اللاواعية من حضور السياق, وعلى المؤول أو المتلقي المسرحي أن يستحضر فحسب (وعيه) هو بأنماط السياقات المتخفية داخل العمل المسرحي, وهنا يصبح المؤول شريكاً أيضاً في استحضار السياق من داخل هذه العملية.

وأي قراءة للعمل المسرحي تُغفل السياق المسرحي اللاواعي من العمل المسرحي, قد تخرج بفكرة هزيلة عن العرض المسرحي, خصوصاً إن لم يكن ثمة غنىً فني في هذا العمل.

لذلك فإن استحضار مقولة (لكلِ مقامٍ مقال) لدى قراءة أي عمل مسرحي, تستلزم بالضرورة رصداً لتمثّل الواقع السياسي والاجتماعي كصانعٍ للسياقات في الأنفس والأذهان الكثيرة المشتغلة في العرض المسرحي, من أجل قراءة أوفى لهذا العرض, ولذلك فإن مهمة قراءة العرض المسرحي, أصبحت أصعب بكثير من ذي قبل, لأنها لم تعد تعنى فحسب بالجمالي بقدر ما تُعنى بقراءة السياقات الذهنية والثقافية والسياسية والاجتماعية في حدود العرض المسرحي, الذي ربما.. ربما يكون سيئاً لدرجة مقيتة, وهنا أيضاً فأن على القارئ المسرحي أن يتحمّل مسئوليته في قراءة السياقات التي أنتجت هذا السوء.  

(0) تعليقات

المسرح .. والتأويل التراكمي

 

برغم أن نص العرض المسرحي هو نصٌّ يحتاجُ إلى إعمال شديد لآليات التأويل, وبداهة أشدّ في استعمال هذه الآليات , حيث ينحصر المتلقي مع الباث في لعبة زمنية هي فترة العرض المسرحي , وعلى الثاني أن يحشد دلالاته خلال هذه الفترة فيما يبقى على الأول أن يحاول قراءة الحدث , والحركة , والصمت , واستنباط دلالة كل هذا ليس في فترة العرض المسرحي وحسب , بل وتجزيء هذا العرض خلال كل حدث بعينه , ثم الخروج بالصورة الكلية بعد انتهاء العرض المسرحي .

إلا أن عملاً كهذا يتطلّب تقنية عالية في التلقّي , وفرز شديد التنبّه بين لحظة العرض المسرحي , ولحظات التذّكر التي قد تليه , والتي قد يشوبها خبرات أسبق من لحظة العرض المسرحي , ربما تمتزج بشكل خفي وغير ظاهر في الذاكرة البشرية , قد تؤثر على نوعية التلقّي , وعلى القرارات التي يتخذها المتلقّي بالنسبة للعرض فيما بعد .

عملٌ صعب كهذا , قد يجذب الكثير من القراءات التأويلية للعروض المسرحية نحو المبالغة في التأويل , وإعطاء قيم أكبر من حجمها الطبيعي لمحفزات الدلالات المسرحية , دون إيجاد الدلائل أو الإشارات التي توحي أو تربط بين أجزاء القراءة التأويلية .

وربما لأن هذه الدلائل ليست من صميم نصّ العرض , بقدر ما هي اختلاقات أفرزتها عملية التذكّر الإعتباطي , وغير المرتكز .

لذلك فقد تخرج علينا بين الحين والآخر قراءات لعرضٍ مسرحي تفتقد حِسّ التأويل الحقيقي , وتعتمد على تأويل مبالغ فيه , نظراً لأن متلقّي نص العرض المسرحي لم يتنبّه لأهمية التنظيم الذاتي للذاكرة خلال العرض المسرحي  وبعده ,  وأهمية حجز المعلومات والخبرات السابقة عن التدخّل لا في تأويل نص العرض بل في العرض نفسه .

إذ أن أي قراءة لعمل ما لا بد أن تستدعي تلك الخبرات والمعلومات , ولكن القراءة المثالية هي التي تنظّم هذا السيل من المعلومات في أنساق معينة , لا يتدخّل أيٍّ منها في الآخر إلا بالقدر الذي يجعل من قراءة العمل موضوعياً , ومشفوعاً بالدلائل والقرائن المستنبطة من نص العرض المسرحي ذاته , لا من مخيال المتلقّي والتراكم الخبراتي السابق لديه .

هي حقاً عملية صعبة , وتتطلب من القارئ المسرحي , أن يستحضر نفسه لمشاهدة العرض, وأن يستحضر كافة آلياته الفكرية والتأويلية , من أجل مشاهدة عرض مسرحي خلال مدة زمنية محددة .

 

 

(0) تعليقات

اللعب .. حضارة

 

ساعة ينشغل طفلٌ أمامكَ باللعب, ساعة يغيب عن العالم ويركز انتباهه على أمرٍ واحد ربما هو أن لا يركّز انتباهه على شيء, وربما هو تلك الحركة المعقّدة لاكتشاف المخبوء, ساعةَ لا يستطيع أحد أن يقنعه بمزايا الهدوء والسكينة.. ساعتها ليس اللعب فقط هو ما يشغل بال هذا الطفل بقدر ما يشغله الفضول لمعرفة المجهول, واستكشاف الآليات التي تصدر عنها الأشياء, كأي عالمٍ مثابر, كأيّ فيلسوفٍ يسعى إلى اكتشاف الحياة.

يرى كارل جروس أن مفهوم اللعب مرتبط بمفهوم صراع البقاء, وفسّر داروين اللعب على أنه نشاط غريزي يلجأ له الإنسان ليتدرّب على مهارات الحياة, في إشارة لذلك الشغف الغريزي الأول لدى الإنسان/الطفل في البحث والسؤال والإختبار والتدريب.

وأية حضارة ليست قائمة سوى على تنمية مواهب اللعب لديها, وتطويع هذا اللعب الغريزي ليغدو أساساً لمناهج علمية وتدريبية واختبارية, وكما أن ازدهار اللعب كما يرى (ميلر وبندورا) يحتاج للبيئة المحيطة بالطفل واتصاله بالأقران, وشروط أخرى, فإن أية حضارة تقمع هذا اللعب البكر في نفس الإنسان فهي أيضاً تقمع كل ما يمكن أن يشكّل فيما بعد أفكاراً ومناهج ورؤى علمية.

ورغم أن مرجع هذا القمع ليس سوى الحرص على قولبة الفرد ضمن نطاق الجماعة كما يرى الدكتور حسين مؤنس في كتابه الحضارة, إلا أن هذه القولبة التي يخضع لها الطفل/ الحضارة قد تتسبب في انهيار أمم وقيام أمم أخرى محلّها, أمم قادرة على أن تثق في ثقافة الاختبار والتدريب, وتثق في ثقافة اكتشاف الآليات والبحث والفضول, وتثق في النهاية في ثقافة اللعب الذي يصنع الحضارة. 

(0) تعليقات


<<الصفحة الرئيسية